سباق الفضاء بين موسكو وواشنطن يفتح الطريق إلى استكشاف الزهرة

سباق الفضاء بين موسكو وواشنطن يفتح الطريق إلى استكشاف الزهرة

لم تكن الحرب الباردة التي اندلعت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مجرد صراع سياسي وعسكري بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بل تحولت أيضاً إلى منافسة علمية وتكنولوجية غير مسبوقة، كان الفضاء أحد أبرز ميادينها.

فمع انقسام العالم إلى معسكرين متنافسين، غربي بقيادة واشنطن وشرقي تحت قيادة موسكو، سعى الطرفان إلى إثبات تفوقهما في مجالات متعددة، من بينها تطوير الأسلحة، والاتصالات، وبرامج التجسس، واستكشاف الفضاء. وأصبح الوصول إلى خارج حدود الأرض رمزاً للقوة العلمية والقدرة الصناعية، ومجالاً لإظهار التفوق أمام العالم.

وفي هذا السياق، أطلق الاتحاد السوفيتي برنامجاً فضائياً طموحاً حقق خلال عقود الحرب الباردة سلسلة من الإنجازات التي شكلت نقاط تحول في تاريخ استكشاف الفضاء.

وكان عام 1957 محطة مفصلية عندما نجح الاتحاد السوفيتي في إطلاق "سبوتنيك 1"، أول قمر صناعي من صنع الإنسان يصل إلى مدار حول الأرض.

كما شكّل هذا الإنجاز صدمة كبيرة للولايات المتحدة، إذ أثبت قدرة موسكو على تطوير تكنولوجيا الصواريخ وإرسال أجسام إلى الفضاء، ما دفع واشنطن إلى تسريع برنامجها الفضائي وإنشاء مؤسسات متخصصة لمنافسة السوفييت.

وبعد أربع سنوات فقط، حقق الاتحاد السوفيتي إنجازاً أكبر بإرسال رائد الفضاء يوري غاغارين إلى الفضاء عام 1961، ليصبح أول إنسان يخوض رحلة خارج الغلاف الجوي للأرض. وقد تحولت هذه المهمة إلى رمز عالمي للتقدم العلمي السوفيتي.

إلى جانب أبحاث القمر والرحلات المدارية، ركز السوفييت على استكشاف كوكب الزهرة، الذي كان يُنظر إليه لفترة طويلة باعتباره قريباً من الأرض، حتى إن بعض العلماء وصفوه بالكوكب التوأم لها بسبب التشابه في الحجم والتركيب.

وفي عام 1961، أطلق الاتحاد السوفيتي برنامج "فينيرا" بهدف إرسال مسابير إلى الزهرة ودراسة غلافه الجوي وسطحه والظروف البيئية فيه.

كانت المهمة الأولى، فينيرا 1، قد انطلقت في 12 فبراير/شباط 1961، وكان هدفها الاقتراب من الكوكب وجمع معلومات علمية عنه. إلا أن أعطالاً تقنية أصابت أنظمة المسبار أثناء رحلته، ما أدى إلى فقدان الاتصال به قبل تحقيق أهدافه.

ولم يتوقف السوفييت، إذ أطلقوا عام 1965 مسبار فينيرا 2 الذي تمكن من المرور بالقرب من الزهرة على مسافة تجاوزت 23 ألف كيلومتر، لكنه تعطل أيضاً ولم يرسل بيانات علمية مهمة إلى الأرض.

واصل الاتحاد السوفيتي تطوير البرنامج، وبدأ بتحقيق نتائج أكثر أهمية مع سلسلة جديدة من المسابير.

في عام 1967، أُطلق فينيرا 4 لدراسة الغلاف الجوي لكوكب الزهرة، حيث قدم معلومات ساعدت العلماء على فهم طبيعة هذا الكوكب. وبعده جاء فينيرا 5 الذي ركز على قياس الضغط والظروف الجوية.

أما الإنجاز الأكبر فكان عام 1970 مع مهمة فينيرا 7، التي أصبحت أول مركبة من صنع البشر تهبط على سطح كوكب آخر. ورغم أن الاتصال بها انقطع بعد نحو 23 دقيقة، فإن البيانات التي أرسلتها شكلت لحظة تاريخية في استكشاف الفضاء.

في 22 أكتوبر/تشرين الأول 1975، حقق مسبار فينيرا 9 إنجازاً جديداً عندما هبط على سطح الزهرة وأرسل أول صورة بانورامية لسطح كوكب آخر.

وكشفت المهمة أن الزهرة بيئة شديدة القسوة، إذ يبلغ الضغط الجوي على سطحه نحو 90 ضعف الضغط على الأرض، فيما تصل درجات الحرارة إلى حوالي 485 درجة مئوية.

وعمل المسبار لمدة 53 دقيقة تقريباً قبل فقدان الاتصال به، لكنه ترك أثراً علمياً كبيراً بعدما منح العلماء أول نظرة مباشرة على سطح عالم آخر.

فيما وصل برنامج فينيرا إلى ذروة نجاحه مع مسبار فينيرا 13 الذي أطلق عام 1981 ووصل إلى سطح الزهرة في مارس/آذار 1982.

وهبط المسبار في منطقة "فيبي ريجيو"، وتمكن من العمل لمدة 127 دقيقة، أرسل خلالها صوراً ملونة لسطح الكوكب، كما أجرى تحليلات للصخور والتربة.

وكان من أبرز إنجازاته تسجيل أول صوت من سطح كوكب آخر، في سابقة علمية تاريخية منحت البشرية معلومات غير مسبوقة عن البيئة على الزهرة.

واستمر الاتحاد السوفيتي في تنفيذ مهمات إضافية ضمن برنامج فينيرا حتى عام 1984، ركز بعضها على رسم خرائط للكوكب ودراسة تفاصيل سطحه.

لكن البرنامج بدأ بالتراجع لاحقاً بسبب الصعوبات المالية التي واجهها الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات، إضافة إلى تغير الأولويات العلمية والانتقال إلى استكشاف كواكب وأهداف فضائية أخرى.

ورغم توقفه، بقي برنامج فينيرا واحداً من أنجح البرامج الفضائية في التاريخ، إذ كان السوفييت أول من تمكن من الهبوط على كوكب آخر وإرسال صور وأصوات من سطحه، ليتركوا بصمة دائمة في مسيرة الإنسان نحو فهم الكون.

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3