القذافي وجنبلاط وأبو نضال في قارب... العلاقة مع السوفيات
في مذكّرات الزعيم الدرزيّ وليد جنبلاط الصادرة بالفرنسيّة، والتي صدرت معها في الوقت نفسه حواراته التلفزيونيّة، يتحدّث زعيم الحزب الاشتراكيّ اللبنانيّ عن العلاقة مع السوفيات، وهو أمر بدأنا الحديث عنه أمس.
"بعد المصالحة مع دمشق، أصبح السوفيات حليفاً استراتيجيّاً لنا، وأمدّونا بكميّات كبيرة من الأسلحة عبر أوديسا، وطرطوس، شملت دبّابات، ومدفعيّة، وذخائر، وذلك في الفترة الممتدّة من عام 1978 إلى 1989. كان السلاح الروسيّ يمر عبر مستودعات الجيش السوريّ، وبناء على طلبي، كنّا ننقله إلى المختارة، وفقاً لحاجاتنا. وبعد الاحتلال الإسرائيليّ عام 1982، استغللتُ الفرصة لبناء مستودعات ذخيرة في كلّ مكان تقريباً في الشوف".
"وفي مرستي، أنشأتُ سبعة ملاجئ حصينة (بونكرز) لإيواء ذخائرنا من العيار الثقيل، وصواريخ الكاتيوشا عيار 132 ملم، وقذائف عيار 130 ملم، فقد كان ذلك الموقع مخصّصاً للمقذوفات وراجمات الصواريخ. وفي عام 1983، بدأنا في استقبال المدفعيّة الثقيلة، ببطء في البداية بسبب تحفّظات السوريين، ثمّ بعد مرحلة من التردّد، بدأت الأسلحة تتدفّق إلينا بلا انقطاع، مصحوبة بالذخائر التي نحتاجها. وكان لا بدّ لي من تخزينها في مكان ما. في المناطق التي كنّا نسيطر عليها، لم أترك قبواً واحداً فارغاً من الذخيرة، بل إنّني استخدمت الكنائس كمستودعات، فليغفر اللّٰه لي. وكان مقاتلونا يأتون للتزوّد منها عند الحاجة. وأحياناً كانت قوافل الجيش السوريّ تصل من الحدود السوريّة حتى بلدة صوفر على أطراف الشوف، حيث كنّا نلمح أرتال الشاحنات، وهي تتقدّم من سهل البقاع. طوال فترة الحرب الأهليّة، كنت في بيروت على تواصل مع السفير السوفياتي ألكسندر سولداتوف، وهو ديبلوماسيّ محنّك، شملت محطّات خدمته طهران، وكوبا إبان أزمة الصواريخ عام 1963. ومن باب التاريخ، يُروى أنّ فياتشيسلاف مولوتوف، الساعد الأيمن الأسبق لستالين ورئيس الحكومة السوفياتيّة، سأله عن المكان الذي يودّ أن يختتم فيه مسيرته المهنيّة ليرتاح، فاختار بيروت، حيث مكث فيها في نهاية المطاف قرابة اثني عشر عاماً، من 1974 إلى 1986، شاهداً على كلّ مرحلة من مراحل حربنا.
وبفضله وبفضل اتصالات أخرى، تمكّنت من زيارة موسكو مرّات عدة، والحفاظ على علاقات منتظمة مع هذا الحليف الجوهري لليسار اللبناني، سائراً بذلك على خطى والدي.
في المرّة الأولى، عام 1967، بمناسبة الذكرى الخمسين للثورة البلشفيّة، كنت قد رافقته بعد النكسة في حرب الأيام الستة. كان والدي يود معرفة موقف السوفيات من النزاع العربيّ - الإسرائيليّ، وإشراكهم فيه. وأتذكّر أنَّنا استمعنا في قصر المؤتمرات، الذي شُيّد حديثاً داخل الكرملين، إلى خطاب مطوّل (مستفيض) ألقاه ليونيد بريجنيف، الذي كان لا يزال يتمتَّع بصحّة جيّدة. على مدار خمس ساعات، استعرض نجاحات الحزب الشيوعي، والخطّة الخمسية، ولم يأتِ على ذكر نزاع الشرق الأوسط إلا بجملة واحدة في الختام، مستشهداً بقرار مجلس الأمن رقم 242 الذي "يطالب بانسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي المحتلّة". لم يزد على ذلك شيئاً، مما شكَّل خيبة أمل لوالدي.
وخلال الحرب، وفضلاً عن الأسلحة الثقيلة، كان السوفيات يحموننا عندما كنّا نمر بفترات توتّر مع دمشق، والأسد، لا سيّما خلال مرحلة "حرب المخيّمات" التي اندلعت في مايو (أيّار) 1985، وهي محطّة مأسويّة للغاية من الحرب الأهليّة، حين انخرطت سوريا في معركة ضد الفلسطينيين التابعين لمنظمة التحرير. كان الرئيس الأسد يريد إقحامنا إلى جانب حركة "أمل" التي كان يسيطر عليها، لكنّني رفضت المشاركة في هذا النزاع. وفي اللجنة المركزيّة، كنت على تواصل مع إيفغيني بونوماريوف، الأمين العام لـ"الحزب الشيوعي" المسؤول عن حركات التحرّر.
كانت علاقاتنا مع الروس وديّة دائماً، ولطالما قدّموا لي الحماية، إذ كنّا نندرج مع حركات سياسيّة أخرى، مثل منظمة التحرير الفلسطينيّة، في إطار "النضال ضدّ الإمبرياليّة". وقد بدأت العلاقة بين موسكو والمختارة عام 1964، بعد الزيارة الأولى لكمال جنبلاط للعاصمة السوفياتيّة، وكان هدفه منها إثارة وعي الروس بالقضيّة الفلسطينيّة التي لم تكن معروفة بعد خارج حدود الشرق الأوسط".
إلى اللقاء
(صحيفة الشرق الأوسط)