Credits: INFO3

"حزبالله" والخيارات المرّة

بات ملحّاً معرفة ما يريده "حزبالله" فعلاً في هذه المرحلة، بعد كلّ ما تعرّض له وحلفاؤه ورعاته في المنطقة من خسائر عسكريّة وهزائم سياسية يصعب إعادة ترميمها في المستقبل المنظور. ماذا يريد "حزبالله" بعدما تبيّن أنّ الاتفاق الأخير لوقف العمليّات القتاليّة يترنّح، والخروق الإسرائيليّة تتصاعد، وآخرها عودة الاغتيالات، وقصف الضاحية الجنوبيّة، إضافة إلى الضغوط الأميركيّة والإسرائيليّة الواضحة والصريحة والمتوافقة الداعية إلى نزع سلاح "حزبالله" من الأراضي اللبنانيّة كافّة. لن يغفل عن المتابع أنّه لا يمكن فصل سياسة "حزبالله" وقراراته عن السياسة الإيرانيّة وأهدافها في الإقليم.

منذ تأسيسه، عُرف "حزبالله" بانضباطه العسكريّ وقدرته على التحكّم في قراراته الميدانيّة، إلاّ أنّه بدا محرجاً عندما تنصّل من المسؤوليّة عن إطلاق الصواريخ الأخيرة على شمال إسرائيل، ما يطرح تساؤلات جوهريّة حول آليّة صنع القرار في "حزبالله". فهل النفي مجرّد مناورة سياسيّة لاحتواء التصعيد، أم أنّه مؤشّر على انقسامات فعليّة داخله؟ قد يكون "حزبالله" اليوم أمام تحدٍّ داخليّ غير مسبوق، حيث تتباين مواقف تيّاراته بين من يسعى إلى الحفاظ على نهج المواجهة، ومن يدرك أنّ الظروف الراهنة تفرض إعادة النظر في استراتيجيّة "حزبالله". فهل نحن أمام تحوّل جوهريّ في بنيته، قد يعيد رسم ملامح دوره في لبنان والمنطقة؟

يمكن تفسير ما يجري بناء على عدد من الفرضيّات، من بينها داخليّة، التي أصبحت أكثر وضوحاً في الفترة الأخيرة. يعيش "حزبالله" اليوم حالاً من التباين بين تيّارين رئيسيّين يختلفان في تقييم التحوّلات الإقليميّة، والدور الذي يجب أن يؤدّيه في المرحلة المقبلة. فمن جهة، يرى الجناح العسكريّ والأمنيّ التقليديّ الذي لا يزال متمسّكاً بالهويّة القتاليّة، أنّ المهمّة الأساسيّة تبقى محاربة إسرائيل، وتعزيز قوّة "حزبالله" العسكريّة، بغض النظر عن المتغيّرات السياسيّة في المنطقة. وعلى الجانب الآخر، هناك تيّار يدرك التحوّلات الجيوسياسيّة التي طرأت بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، وتراجع النفوذ الإيرانيّ، والضربات الأميركية للحوثيّين، ويدفع باتجاه التكيّف مع هذه المستجدات.

في المقابل، المتشدّدون والمعتدلون يدركون أنّ البيئة الإقليميّة لم تعد كما كانت قبل سنوات، وأنّ الرهان على الدعم الإيرانيّ المطلق لم يعد مضموناً في ظلّ الضغوط الاقتصاديّة على طهران، وتراجع دورها الإقليميّ. كما أنّ "حزبالله" يواجه تحدّيات داخليّة غير مسبوقة داخل بيئته لم تعد مخفيّة على أحد، جرّاء تداعيات الحرب الأخيرة المدمّرة مع إسرائيل، وتعثّر مسار إعادة الإعمار والمساعدات.

بمعزل عن صحّة أو دقّة المعلومات بشأن ما يجري داخل أروقة "حزبالله"، لعلَّ الغالبيّة، خصوصاً المعتدلة منها، تعرف ما تواجهه إيران من تحديات غير مسبوقة، أبرزها فقدانها لقاعدتها الرئيسة في سوريا، وتعرّض الحليف المتبقّي لها في اليمن لضربات موجعة سوف تؤول إلى إسكاته وتحجيم دوره هذا إن لم تقضِ عليه. إلى كلّ ذلك، إيران نفسها تواجه خيارات كلّها مؤلمة مع إدارة أميركيّة متشدّدة متوافقة إلى حدّ كبير مع إسرائيل أقلّه على العناوين العريضة لما هو مطلوب من إيران. الخيارات باتت محصورة بين مفاوضات إذا قدر لها النجاح فسوف تقلّص المشروع النوويّ، وإذا لم تنجح المفاوضات فسوف تتعرّض إيران ربما لعمليّات عسكريّة أميركيّة أو أميركيّة إسرائيليّة مشتركة، قد تؤدّي إلى زعزعة النظام.

هذه الوقائع - الاحتمالات لا بدّ أنّ قادة "حزبالله" المتبقّين يعرفونها، رغم المكابرة، وهم على دراية تامّة أنّ خياراتهم تحاكي خيارات إيران، تبدأ مع تداعيات ما قد تتعرّض له إيران بعد المفاوضات مع الأميركيّين، أو مرحلة ما بعد العمل العسكريّ إذا فشلت المفاوضات.

في الشأن اللبنانيّ الداخلي، "حزبالله" محاصر باتفاق وقف النار الذي وافق عليه مُكرهاً، الذي لن يسمح بأعمال قتاليّة من جنوب لبنان أو خارجه ما سيحوّل سلاح "حزبالله" الثقيل والخفيف عبئاً ثقيلاً ومادةً للتجاذب السياسي الداخلي لن يكون لصالح "حزبالله"، خصوصاً أنّ اللهجة الأميركيّة والدوليّة والإقليميّة واضحة وصريحة لجهة ضرورة نزع السلاح.

يجد "حزبالله" نفسه في وضع صعب بين إرضاء حلفائه الخارجيّين، الذين قد يكونون معنيّين بتصعيد مدروس، وبين ضغوط الداخل اللبنانيّ، الذي يرزح تحت أزمة اقتصاديّة خانقة ويريد تجنّب أيّ حرب جديدة تلوّح بها إسرائيل، وتهديد أميركيّ بمنع الإعمار والمساعدات في ظلّ السلاح.

من حقّ اللبنانيّين أن يسألوا عمّا يريد "حزبالله" وما لا يريد، وكيف سيواجه هذه الاحتمالات - الوقائع؟ وهو يعرف (حزبالله) أنّ سياسة المراوحة المعتادة لم تعد صالحة، ممّا يعني حتميّة الاختيار بين مسالك جديدة كلّها وعرة بالنسبة لمستقبله مثل مقاومة مسلّحة ومنظمة خارج الدولة.

هل بمقدور "حزبالله" التكيّف والتغيير والتخلّي عن العسكرة، أم أنّ انقساماته ستزداد، ما قد يجعله أكثر خطورة وأقل قدرة على ضبط أوضاعه وتداعيات ذلك على لبنان؟


(صحيفة الشرق الأوسط)


* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3