سياسات ترامب الاقتصاديّة: سيف ذو حدّين (1-2)
ما هي خلفيّة السياسات الاقتصاديّة التي بدأ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب باعتمادها؟ وما هي النتائج المتوقّعة وآثارها المفترضة على الاقتصاد الأميركيّ والعالميّ؟ وهل تنتقل هذه السياسات من حرب تجاريّة إلى حرب عسكريّة مرتقبة بين أميركا والصين؟
في زيارة خاصّة للولايات المتّحدة الأميركيّة، لاحظت أنّ معظم الناس، من مختلف الاتّجاهات السياسيّة والحزبيّة والاجتماعيّة هناك، لم يعد يعلّق كثيراً على السياسات الاقتصاديّة للرئيس ترامب، على الرغم من أنّ معظمهم لم يلحظوا تغييراً في مستوى دخلهم أو فوائد هذه السياسات حتّى هذه اللحظة في حياتهم اليوميّة. وما زال الكثيرون منهم ينظرون بحذر تجاه جدّية أو فعاليّة سياسة فرض خفض الأسعار على بعض السلع الأساسيّة مثل الدواء، أو مسألة خفض الإنفاق الفدرالي على التعليم والأبحاث والمنح الجامعيّة ودعم الجامعات، لأنّهم يرون أنّ نتائج تلك السياسات معقّدة، وما هو إيجابيّ وموقّت قد يحمل معه الكثير من السلبيّات على المدى الطويل.
من هنا، لا أريد أن أتحدّث عن المتحمّسين أو الشاجبين لهذه السياسات، أكان في أميركا أو في عالمنا، بل أردت أن أطرح تحليلاً لتلك السياسات التي رأيت فيها نوعاً من التراجع نحو عهد ما قبل الرأسماليّة، إلى مرحلة وسيطة أتت لتنافس النظام الإقطاعيّ على السلطة، وهو نظام المركنتيليّة الذي اعتبر أنّ الثروات في العالم محدودة في حجمها، وأنّ السلطة تأتي من خلال السيطرة على أكبر جزء منها، في حين أنّ الرأسماليّة تحدّثت عن النموّ المبنيّ على التنافس الحرّ.
العصر التّجاريّ
حملت سياسات الرئيس ترامب التجاريّة بعض السمات المشابهة للمذهب التجاريّ، لكن من غير الدقيق القول إنّها أعادت العالم إلى تلك الحقبة تماماً. من أوجه التشابه مع المركنتيليّة، التركيز على الميزان التجاريّ لتقليل العجز التجاريّ للولايات المتّحدة، وهو هدف أساسيّ في الفكر التجاريّ، وفرض تعريفات جمركيّة على واردات بعض الدول، بهدف حماية الصناعات المحلّية، وهو إجراء تجاريّ تقليديّ، إلى تبنّي ترامب شعار "أميركا أوّلاً"، الذي يعكس التركيز على المصالح الوطنيّة، وهو مفهوم أساسيّ في التجارة.
لكنّ الاقتصاد العالميّ اليوم أكثر تعقيداً وترابطاً ممّا كان عليه في العصر التجاريّ، فسلاسل التوريد العالميّة والتكنولوجيا الحديثة تجعل من المستحيل العودة إلى نظام اقتصاديّ معزول، ومنظّمة التجارة العالميّة تلعب دوراً حاسماً في تنظيم التجارة الدوليّة، وتهدف إلى تقليل الحواجز التجاريّة. هذا يختلف عن العصر التجاريّ، الذي كان يتميّز بالحروب التجاريّة والحمائيّة الشديدة. هذا وترتكز الرأسماليّة الحديثة على مبادئ وأسس عدّة، من أهمّها حرّية السوق والمنافسة، بينما المركنتيليّة كانت تعتمد على تدخّل الدولة بشكل كبير في الاقتصاد.
لذلك، يمكن القول إنّ سياسات ترامب التجاريّة كانت تميل نحو الحمائيّة والتركيز على المصالح الوطنيّة، لكنّها لم تصل إلى حدّ إعادة العالم إلى العصر التجاريّ بالكامل.
تداعيات السّياسات الحمائيّة
تُفرض حماية السلع المحلّية من خلال أدوات مثل التعريفات الجمركيّة والضرائب على الواردات والقيود على كميّات الواردات. تهدف هذه الإجراءات إلى جعل السلع المستوردة أكثر تكلفة أو أقلّ توافراً، ومنح المنتجات المحلّية ميزة تنافسيّة في السوق. ومع ذلك، لهذه السياسات تداعيات كبيرة على مبدأ التنافس الحرّ. فعندما يتمّ تقييد الواردات، يقلّ عدد المنافسين الأجانب في السوق المحلّية، وهذا يمنح المنتجين المحلّيين قوّة سوقيّة أكبر.
إنّ غياب المنافسة القويّة يمكن أن يؤدّي إلى تراجع الحافز لدى الشركات المحلّية لتحسين كفايتها وابتكار منتجات جديدة أو خفض الأسعار. فالتعريفات الجمركية تزيد من تكلفة السلع المستوردة، وعادة ما يتمّ تمرير هذه التكاليف إلى المستهلكين في شكل أسعار أعلى. والحدّ من كميّة السلع المستوردة المتاحة قد يؤدّي إلى نقص في العرض وارتفاع الأسعار للسلع المستوردة والمحلّية البديلة.
لذلك، بشكل عام، ستقلّل الحماية من خيارات المستهلكين وتزيد من تكلفة حصولهم على السلع والخدمات.
أمّا التنافس الحرّ، وهو أساس الرأسماليّة، فهو يدفع بالموارد الاقتصاديّة، مثل العمالة ورأس المال، إلى الاستثمار في القطاعات الأكثر كفاية وإنتاجيّة. في حين أنّ الحماية تحافظ على صناعات بائدة قد تكون غير قادرة على المنافسة دوليّاً، وهو ما يمنع تحويل الموارد إلى قطاعات أخرى يمكن أن تكون أكثر إنتاجيّة وتساهم بشكل أكبر في النموّ الاقتصاديّ، هذا التخصيص غير الفعّال للموارد سيقلّل من الإنتاجيّة الإجماليّة للاقتصاد.
حروب تجاريّة
أهميّة المنافسة الشديدة، بما في ذلك المنافسة من الشركات الأجنبيّة، هي تحفيزها للشركات المحلّية على الابتكار وتطوير منتجات وخدمات أفضل وأكثر كفاية للحفاظ على قدرتها التنافسيّة. أمّا الحماية فتقلّل من هذا الضغط التنافسيّ، فتتباطأ وتيرة الابتكار في الصناعات المحلّية المحميّة.
هذا مع العلم أنّه عندما تفرض دولة ما حماية على سلعها المحليّة، قد تردّ الدول الأخرى بفرض تعريفات أو قيود مماثلة على صادرات تلك الدولة، ويمكن أن تنشأ نتيجة ذلك حروب تجاريّة تضرّ بكلّ الأطراف المعنيّة، فتنخفض التجارة الدولية وترتفع التكاليف على الشركات والمستهلكين في كلّ أنحاء العالم.
باختصار، قد توفّر الحماية ميزة موقّتة لبعض الصناعات المحلّية، لكنّها تأتي على حساب تقويض مبدأ التنافس الحرّ في السوق، فترتفع الأسعار، وتقلّ خيارات المستهلكين، ويحصل تخصيص غير فعّال للموارد، وتثبيط للابتكار، وزيادة لخطر نشوب نزاعات تجاريّة دوليّة. على المدى الطويل، يمكن أن تقلّل هذه العوامل من النموّ الاقتصاديّ والرفاهية العامّة.