رؤية جديدة من علم النفس: العادات الضارة ليست دومًا مدمرة بل وقائية
غالبًا ما يُنظر إلى سلوكيات مثل قضم الأظافر، المماطلة، والتجنّب على أنها عادات سيئة خارجة عن السيطرة، إلا أن كتابًا حديثًا في علم النفس يقترح أن هذه التصرفات قد تكون آليات للبقاء تهدف إلى حماية الإنسان في ظروف معينة. في كتابه «انفجارات مضبوطة في الصحة النفسية»، يستعرض الطبيب النفسي السريري تشارلي هيريوت-مايتلاند الأسباب التي تدفع الأفراد للتمسك بسلوكيات تبدو ضارة، مستندًا إلى سنوات من البحث السريري والخبرة العلاجية.
يشير هيريوت-مايتلاند إلى أن الدماغ يفضل ما هو متوقع وآمن على حساب الراحة أو السعادة، مؤكدًا أن الدماغ مبرمج للبقاء وليس لتعظيم رفاهية الإنسان. وتوضح الأبحاث أن التعرض المفاجئ للمخاطر كان دائمًا تاريخيًا مهددًا للحياة، لذا يختار الدماغ الألم المتوقّع على التهديد غير المتوقع. ونتيجة لذلك، قد يلجأ الشخص أحيانًا إلى سلوكيات صغيرة تسبب له ضررًا بسيطًا لتجنب مخاطر أكبر، مثل الفشل أو الحكم السلبي من الآخرين، لتعمل هذه السلوكيات كنوع من الجرعات الوقائية الصغيرة.
وتضيف الاختصاصية النفسية ثيا غالاغر أن ما يُنظر إليه أحيانًا على أنه تخريب للذات قد يكون في الحقيقة محاولة من الدماغ للتعامل مع مشاعر عدم الارتياح. وفي الحياة المعاصرة، تكون التهديدات غالبًا نفسية أو عاطفية، مثل القلق أو الخوف من الرفض أو فقدان السيطرة، إلا أن الدماغ يستجيب لها بنفس الآليات التي كان يستخدمها لمواجهة التهديدات الجسدية. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تكون المماطلة، النقد الذاتي، وقضم الأظافر وسائل للتعامل مع هذه المخاطر.
يشير الكتاب إلى أن هذه الطروحات تفسيرية أكثر منها علمية، مع حاجة إلى مزيد من البيانات لفهم الآليات البيولوجية الدقيقة وراء هذه السلوكيات. كما تلعب عوامل أخرى دورًا في تشكيل هذه العادات، مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، الصدمات النفسية، الضغط المزمن، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، بما لا يرتبط دائمًا بردة فعل الدماغ تجاه الخوف.
ويحث الكتاب على النظر إلى هذه السلوكيات بوصفها آليات وقائية، مع طلب المساعدة المهنية إذا كانت مدمرة أو تسبب ضيقًا شديدًا. وتقترح غالاغر خطوات عملية للتعامل معها، منها: الانتقال من جلد الذات إلى التعاطف مع النفس، مراقبة الأنماط السلوكية بفضول وهدوء، بناء شعور بالأمان من خلال الروتين والعلاقات الداعمة، والتعرّض التدريجي لمواقف منخفضة المخاطر لإعادة تدريب الدماغ على التعامل مع عدم اليقين.
ويختتم هيريوت-مايتلاند بالتأكيد على أن لكل شخص خيارًا في التعامل مع عاداته الضارة، مشددًا على أن الهدف ليس محاربتها بعنف، بل فهمها وإدارتها بحيث لا تتحكم في حياته أو تحد من نموه ورفاهيته، موضحًا أن هذه السلوكيات ليست مجرد عيوب شخصية، بل محاولات طبيعية من الدماغ لحماية النفس.