رصاصة في الظهر بأمر من النظام السوريّ... جامع جامع دفع ثمن نفوذه في دير الزور
لم يسمَع صوت الرصاصة يوم مقتله، فقط انساب صمت ثقيل فوق دير الزور، كأنّ المدينة أدركت أنّ واحداً من أعمدة الرهبة قد سقط. وفي المساء، ظهر بيان مقتضب على شاشة التلفزيون السوريّ: "استشهاد اللواء جامع جامع خلال أداء واجبه الوطنيّ".
الرجل الذي أمضى عمره يراقب الآخرين من خلف زجاج مظلم، رحل من دون أن يراه أحد. وفي مقاهي دمشق، انتشر الخبر مثل إشاعة محرّمة. همس البعض: "قتلوه". ولم يسأل أحد عمّن يقصدون بـِ "هم".
النظام نسب مقتله إلى "الثوّار"، لكنّ مصدراً مطّلعاً أنّ "النظام نفسه هو من أمر أحد ضباطه بتصفية جامع جامع برصاصة في الظهر، بعد أن توسّعت سلطته في دير الزور، وتحوّل إلى مركز نفوذ ميدانيّ يمتلك ولاءات محليّة، ويتصرّف باستقلاليّة غير مريحة لدمشق.
ووفق المصدر نفسه، فإنّ الضابط الذي نفّذ عمليّة التصفية رُمي من طائرة لاحقاً، لتُدفن معه الحقيقة: جامع جامع مات برصاصة من النظام الذي خدمه… لا من خصومه.
في التسعينيّات، أُرسل جامع جامع إلى لبنان ضمن جهاز الأمن والاستطلاع السوري، وأمضى سنوات طويلة في الظلّ: يدير الشبكات، يراقب السياسيّين، ويمسك بخيوطٍ متشابكة من الأمن والسياسة والمال. في أروقة عنجر، وفي مكاتب المطار والضاحية، راكم جامع رصيداً من الأسرار يكفي لجعل أيّ رجل "لا يُمسّ"، وحين انسحب الجيش السوريّ من لبنان في عام 2005، عاد جامع إلى دمشق مثقَلاً بما لا يُقال. ومنذ ذلك الحين، أصبح جزءاً من الحلقة الأمنية التي لا تُمسّ، لكنّه، على نحو خفيّ، بدأ يتحوّل إلى عبء.
عندما اندلعت الانتفاضة في عام 2011، كان النظام يبحث عن رجالٍ يُجيدون إخضاع المدن المتمرّدة، فأُرسل جامع جامع إلى دير الزور، محافظة الفرات والعشائر والنفط، ليتولّى رئاسة فرع المخابرات العسكريّة هناك. وفي ظلّ تصاعد التظاهرات، تحوّل جامع جامع إلى القبضة الحديديّة للنظام في الشرق. قاد عمليّات المداهمة بنفسه، وأشرف على حملات الاعتقال الواسعة. وفي التقارير التي كانت تُرفع إلى دمشق، كان اسمه يُذكر دائمًا مقرونًا بعبارة: "تمّت المهمّة بنجاح".
في الدولة الأمنيّة، الولاء لا يُكافأ… بل يُراقَب. والضابط الذي يبالغ في إظهار إخلاصه قد يتحوّل، في النهاية، إلى خطر.
في عام 2013، ومع احتدام المعارك في الشرق السوريّ، بدأت تظهر شقوق واضحة داخل المنظومة، فتنافست فروع الأمن على النفوذ، وتداخلت مصالح المخابرات العسكريّة مع الأمن الجويّ والأمن السياسيّ، في مشهد يعبّر عن دويلة داخل الدولة. تردّدت روايات عن خلافاتٍ جمعت جامع جامع بضباط آخرين حول السيطرة على المعابر وطرق التهريب، وعن صدامٍ خافت مع شخصيات نافذة في الحرس الجمهوريّ. وربما كانت تلك الصدامات كافية لجعل إزاحته مسألة وقت.
في مساء الثامن عشر من أكتوبر 2013، انتشر الخبر سريعاً: اللواء جامع جامع قُتل برصاص قنّاص في حيّ الرشدية بدير الزور. الرواية الرسمية قالت إنه استُهدف أثناء تفقده خطوط الجبهة، لكنّ شهوداً في المدينة تحدّثوا عن انفجارٍ سبق الرصاصة، وعن جثةٍ لم تُعرض للعلن. لم يُسمح للصحافة بالدخول، ولم تُنشر صورة واحدة لموقع مقتله.
بعد يومين، دُفن في قريته في جبلة، بحضورٍ محدود. لا مواكب عسكرية، ولا نعوات على جدران العاصمة، ولا أوسمة. كأن الدولة أرادت محو أثره لا تكريمه. وبين أوساط الضباط، شاع الهمس نفسه: "الرجل قُتل من فوق… لا من أمام".
قبله بسنوات، مات غازي كنعان في مكتبه بطلقةٍ قالت الدولة إنّها "انتحار". وبعده بأشهر، اختفى كثيرون من رجال الصفّ الأمنيّ نفسه، إمّا قتلاً وإمّا تهميشاً. وفي كلّ مرّة، يتكرّر المشهد نفسه: بيانٌ مقتضب، صمتٌ ثقيل، وذاكرةٌ تُمحى.