دراسة علمية تكشف ميزة تطورية مخفية في طريقة مشي الإنسان
كشفت دراسة علمية حديثة أن الطريقة التي يمشي بها الإنسان، وتحديداً ملامسة الكعب للأرض أولاً قبل انتقال الحركة إلى بقية القدم، قد تكون أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة مقارنة بأنماط أخرى من المشي. ويرى الباحثون أن هذه السمة، التي أصبحت من الخصائص المميزة للمشي البشري، ربما لعبت دوراً في التطور، وساعدت أسلاف الإنسان على التنقل لمسافات أطول بحثاً عن الغذاء والصيد وجمعه.
وأظهرت الدراسة، التي نُشرت في دورية «PNAS»، أن المشاركين في التجارب استهلكوا طاقة أيضية أكبر بنسبة تراوحت بين 26 و41 في المئة عندما لامس منتصف القدم الأرض قبل الكعب، مقارنة بنمط المشي الطبيعي الذي يبدأ فيه الهبوط بالكعب. ويشير ذلك إلى أن تسلسل حركة القدم أثناء المشي لا يرتبط فقط بطريقة وضع القدم على الأرض، بل يؤثر بشكل مباشر في كمية الطاقة التي يحتاج إليها الجسم للحركة.
واعتمد الباحثون في دراستهم على مقارنة آليات المشي لدى البشر والشمبانزي، بهدف فهم الاختلافات الحركية التي تميز المشي على قدمين بين النوعين، وما إذا كانت هذه الاختلافات يمكن أن تقدم أدلة على تطور المشي البشري.
واستخدم الفريق بيانات ثلاثية الأبعاد لحركة الجسم، إلى جانب قياسات للقوى التي تنتج عند ملامسة القدم للأرض. وأظهرت النتائج أن البشر يميلون بصورة منتظمة إلى بدء خطواتهم بالكعب أثناء المشي الطبيعي، قبل انتقال الضغط والحركة تدريجياً نحو منتصف القدم ثم مقدمتها.
في المقابل، بدت حركة أقدام الشمبانزي أكثر تنوعاً عند المشي على قدمين. فقد أظهرت التجارب أن الشمبانزي كان يلامس الأرض في كثير من الحالات بجانب القدم أو مقدمتها، بينما كان استخدام الكعب أقل شيوعاً مقارنة بالمشي البشري. كما كان نطاق زوايا ملامسة القدم للأرض لدى الشمبانزي أوسع بشكل ملحوظ، إذ تراوح بين 2.4 و8.6 مرات النطاق المسجل لدى المشاركين من البشر.
ويعتقد الباحثون أن هذا الاختلاف قد يساعد في تفسير إحدى الخصائص المهمة في تطور الحركة البشرية. فالمشي من الكعب إلى مقدمة القدم يسمح للجسم بالاستفادة بصورة أكثر كفاءة من القوى الناتجة عن كل خطوة، ما يؤدي إلى خفض كمية الطاقة اللازمة للحركة. ومع تكرار آلاف الخطوات أثناء التنقل لمسافات طويلة، يمكن لهذا الفرق في استهلاك الطاقة أن يتحول إلى ميزة كبيرة.
وبالنسبة إلى أسلاف البشر، الذين اعتمدوا على التنقل سيراً على الأقدام لمسافات واسعة بحثاً عن مصادر الغذاء، ربما كان هذا التوفير في الطاقة ذا أهمية خاصة. فكلما أصبح المشي أكثر كفاءة، تمكن الفرد من قطع مسافات أطول قبل استنفاد احتياطاته من الطاقة، وهو ما قد يكون مفيداً في عمليات البحث عن الغذاء والصيد وجمع النباتات والموارد.
لكن الدراسة كشفت في الوقت نفسه عن مفارقة مهمة. فالكفاءة الأعلى في استهلاك الطاقة تأتي مقابل تعرض الجسم لقوة صدمة أكبر عند هبوط الكعب على الأرض.
وأظهرت النتائج أن معدل تحميل قوة الصدمة لدى البشر أثناء الهبوط على الكعب كان أعلى بما يصل إلى 162 في المئة مقارنة بالهبوط على منتصف القدم. كما سجل الشمبانزي، عند المشي على قدمين، زيادة في قوة الصدمة بلغت نحو 138 في المئة عند استخدام نمط الهبوط بالكعب.
ويرى الباحثون أن هذه الكلفة الميكانيكية ربما ساهمت بدورها في تشكيل جسم الإنسان عبر التطور. فقد يكون تطور عظام كعب أكبر وأكثر قدرة على تحمل الأحمال، إلى جانب مفاصل وأجزاء أقوى في الأطراف السفلية، قد سمح للبشر بالاستفادة من كفاءة المشي بالكعب من دون أن تؤدي قوى الصدمة المرتفعة إلى أضرار جسيمة.
وللوصول إلى هذه النتائج، استخدم الباحثون مجموعة من الأدوات المتطورة، من بينها كاميرات عالية السرعة والدقة لتسجيل حركة المشاركين، وممر مجهز بألواح خاصة لقياس القوى الناتجة عن ملامسة القدم للأرض. كما قاس الفريق استهلاك الأكسجين وإنتاج ثاني أكسيد الكربون لدى المشاركين من البشر، وهي مؤشرات يمكن استخدامها لتقدير كمية الطاقة التي يستهلكها الجسم أثناء الحركة.
وتعزز هذه النتائج الفكرة القائلة إن المشي البشري ليس مجرد نسخة معدلة من طريقة تحرك الرئيسيات الأخرى، بل يمثل نتيجة لسلسلة من التكيفات الجسدية والميكانيكية التي ظهرت عبر مسار التطور.
وبحسب الباحثين، فإن الهبوط المنتظم على الكعب، ثم انتقال الحركة نحو مقدمة القدم، قد يكون إحدى السمات التي ساعدت الإنسان على تحقيق توازن بين الكفاءة في استهلاك الطاقة والقدرة على تحمل القوى الميكانيكية الناتجة عن المشي.
وتفتح الدراسة بذلك باباً جديداً لفهم العلاقة بين شكل جسم الإنسان وطريقة حركته، كما تقدم تفسيراً محتملاً لكيفية ارتباط بعض الخصائص التشريحية للقدم والساق بقدرة الإنسان على التنقل لمسافات طويلة. وقد تكون هذه القدرة، إلى جانب عوامل تطورية أخرى، قد منحت أسلاف البشر ميزة في البيئات التي كان فيها العثور على الغذاء يتطلب التنقل المستمر وقطع مسافات واسعة.