دراسة تكشف تحولاً مناعياً خفياً في دماغ الإنسان يبدأ منتصف العمر
كشفت دراسة علمية حديثة عن تغيرات واسعة في البيئة المناعية داخل الحُصين، المنطقة الدماغية الأساسية المرتبطة بالتعلم والذاكرة، مشيرة إلى أن هذه التحولات تبدأ بشكل ملحوظ خلال منتصف العمر وقد تشكل أحد المفاتيح لفهم العلاقة بين الشيخوخة والالتهاب العصبي المزمن المرتبط بالأمراض التنكسية العصبية.
الدراسة، التي دعمتها المعاهد الوطنية للصحة الأميركية (NIH) ونشرت في دورية Science في يوليو 2026، اعتمدت على تحليل متقدم لأنسجة الحُصين المأخوذة بعد الوفاة من 40 شخصاً بالغاً تمتعوا بصحة عصبية جيدة، تراوحت أعمارهم بين 20 و95 عاماً.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة لأن التقدم في العمر يمثل أكبر عامل خطر معروف للإصابة بالخرف، إلا أن الآليات الدقيقة التي تجعل الدماغ أكثر عرضة للتدهور مع مرور السنوات لا تزال غير مفهومة بالكامل
وركز الباحثون بصورة خاصة على الخلايا الدبقية الصغيرة، وهي الخلايا المناعية الرئيسية المقيمة في الجهاز العصبي المركزي، وتؤدي دوراً مهماً في مراقبة أنسجة الدماغ والتخلص من الخلايا التالفة والاستجابة للإصابات والالتهابات.
وأظهرت الدراسة أن هذه الخلايا لا تحافظ بالضرورة على حالتها وخصائصها نفسها طوال حياة الإنسان، خلافاً للاعتقاد التقليدي بأنها تتجدد داخل الدماغ وتحافظ على هويتها الأصلية بصورة مستقرة.
ووفق النتائج، تبدأ بين سن 50 و75 عاماً عملية تراجع في الخلايا الدبقية الصغيرة ذات الأصل الجنيني، مع ظهور خلايا تحمل خصائص أقرب إلى خلايا مناعية مرتبطة بالدم المحيطي، وتتميز بإشارات التهابية أكثر وضوحاً.
ويشير هذا التحول إلى أن البيئة المناعية للحُصين قد تمر بعملية إعادة تشكيل كبيرة خلال منتصف العمر، وهو ما يمكن أن يساهم في خلق بيئة أكثر استعداداً للالتهاب العصبي مع التقدم في السن.
كما اعتمد الفريق البحثي على مجموعة من أحدث تقنيات تحليل الخلايا والجينوم، بدلاً من الاكتفاء بقياس نشاط الجينات.
وشملت الدراسة تحليل التعبير الجيني في نوى الخلايا، وإمكانية الوصول إلى الكروماتين، وأنماط مثيلة الحمض النووي، إضافة إلى دراسة البنية ثلاثية الأبعاد للكروماتين داخل الجينوم. وسمح الجمع بين هذه التقنيات للباحثين بتحديد تغيرات في هوية الخلايا وأصولها لم يكن من الممكن رصدها بالاعتماد على التعبير الجيني وحده.
وقال الباحث الرئيسي ناثان زيمكي إن التعبير الجيني يكشف ما تقوم به الخلية في الوقت الراهن، بينما تحمل العلامات الإبيجينية معلومات عن تاريخ الخلية وأصلها، وهو ما ساعد الباحثين على رصد التحول المناعي المرتبط بالشيخوخة.
كما أظهرت الدراسة تغيرات أوسع في خلايا الدماغ، بينها انخفاض ملحوظ في بعض الخلايا النجمية، وهي خلايا تؤدي أدواراً مهمة في دعم الخلايا العصبية وتنظيم الاتصالات المشبكية.
لم تقتصر النتائج على الخلايا المناعية، إذ كشفت الدراسة أيضاً عن تغيرات مرتبطة بالعمر في الخلايا التي تساهم في الحفاظ على الحاجز الدموي الدماغي.
ويعمل هذا الحاجز كمنظومة حماية وتنظيم دقيقة تفصل الدم عن أنسجة الدماغ وتتحكم في مرور المواد من مجرى الدم إلى الجهاز العصبي المركزي. ويمكن أن يؤدي تراجع كفاءته إلى زيادة تعرض الدماغ لعوامل التهابية أو تغيرات في البيئة المحيطة بالخلايا العصبية.
كما وجد الباحثون أن الشيخوخة ارتبطت بتغيرات واسعة ومنسقة في البنية الفيزيائية للجينوم داخل أنواع مختلفة من خلايا الحُصين، بما يشير إلى أن عملية الشيخوخة لا تؤثر فقط على نشاط الجينات، وإنما تمتد إلى الطريقة التي يُنظم بها الجينوم داخل الخلية.
ولا تثبت الدراسة أن التحول المناعي المكتشف يسبب مرض الزهايمر أو الخرف بصورة مباشرة، لكنها تقدم مساراً بحثياً جديداً يمكن أن يساعد على تفسير كيفية تراكم التغيرات المرتبطة بالعمر داخل الدماغ.
ويرى الباحثون أن فهم أسباب فقدان الخلايا الدبقية الصغيرة المقيمة وتحول البيئة المناعية للحُصين قد يفتح الباب أمام دراسة ما إذا كانت هذه العملية تساهم في التدهور المعرفي أو تزيد قابلية الدماغ للإصابة بأمراض تنكسية عصبية.
وتأتي هذه النتائج في سياق أبحاث متزايدة تستخدم تقنيات تحليل الخلية الواحدة لفهم الشيخوخة على المستوى الجزيئي. وأظهرت دراسات سابقة، بما فيها أبحاث على نماذج حيوانية، أن الخلايا الدبقية الصغيرة تمر بمراحل متعددة من التغير مع العمر، وقد ترتبط بعض هذه المراحل بزيادة النشاط الالتهابي وتراجع الوظائف المعرفية.
ويؤكد الباحثون أن الخطوة المقبلة تتمثل في تحديد أسباب هذا التحول المناعي، ومعرفة ما إذا كان يمثل نتيجة طبيعية للشيخوخة أم عاملاً يمكن التدخل فيه لتقليل مخاطر التدهور العصبي.
وبذلك، تقدم الدراسة صورة أكثر تعقيداً لشيخوخة الدماغ، مفادها أن التغيرات لا تحدث فقط على مستوى الخلايا العصبية، بل تشمل أيضاً الجهاز المناعي للدماغ، وتنظيم الجينوم، والخلايا الداعمة والحاجز الدموي الدماغي، في عملية مترابطة قد تكون لها آثار بعيدة المدى على الذاكرة والقدرات المعرفية.