دراسة تكشف ارتباطاً بين ترتيب الولادة واحتمالات الإصابة بمئات الأمراض والاضطرابات

دراسة تكشف ارتباطاً بين ترتيب الولادة واحتمالات الإصابة بمئات الأمراض والاضطرابات

كشفت دراسة علمية واسعة النطاق عن وجود ارتباطات إحصائية بين ترتيب ولادة الطفل داخل الأسرة واحتمالات الإصابة بمجموعة كبيرة من الأمراض والاضطرابات الصحية، من بينها اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD)، واضطراب طيف التوحد، إلى جانب أمراض مرتبطة بالجهاز المناعي والهضمي.

واعتمدت الدراسة، التي نُشرت في دورية "Nature Health"، على تحليل بيانات صحية ضخمة شملت أكثر من 10.3 ملايين طفل في الولايات المتحدة، جميعهم لديهم شقيق واحد على الأقل، ما يجعلها من أكبر الأبحاث التي تناولت العلاقة بين ترتيب الولادة والصحة على المدى الطويل.

وسعى الباحثون إلى الإجابة عن سؤال لطالما أثار اهتمام العلماء والأسر: هل يؤثر كون الطفل هو الأول أو الثاني أو اللاحق في الأسرة على احتمالات تعرضه لبعض الأمراض؟

وأظهرت نتائج الدراسة أن الأطفال البكر، أي الذين يولدون أولاً في الأسرة، سجلوا احتمالات أعلى للإصابة بعدد من الاضطرابات مقارنة بالأطفال الذين يأتون بعدهم.

وشملت الحالات التي ظهرت فيها فروق واضحة:

اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

اضطراب طيف التوحد.

متلازمة توريت.

اضطراب الوسواس القهري.

بعض أنواع الحساسية.

في المقابل، وجد الباحثون أن الأطفال المولودين في المرتبة الثانية أظهروا ارتباطاً أعلى ببعض الحالات الأخرى، أبرزها اضطرابات الجهاز الهضمي، والصداع النصفي، والحزام الناري، إضافة إلى ارتفاع احتمالات الإصابة باضطرابات مرتبطة بتعاطي المواد.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن ترتيب الولادة يؤدي بشكل مباشر إلى ظهور هذه الأمراض، وإنما تشير إلى وجود علاقة إحصائية بين ترتيب الطفل وبعض المخاطر الصحية التي قد تتأثر بعوامل متعددة.

وللوصول إلى هذه النتائج، قام فريق البحث بدراسة العلاقة بين ترتيب الولادة و569 مرضاً وحالة صحية مختلفة، حيث وجد أن نحو 150 حالة منها أظهرت اختلافات ملحوظة بين الأطفال البكر والأطفال الذين يولدون لاحقاً.

ولزيادة دقة النتائج، لم يكتف الباحثون بالمقارنة بين أطفال من أسر مختلفة، بل أجروا أيضاً مقارنات داخل الأسرة الواحدة بين الأشقاء، بهدف تقليل تأثير عوامل قد تؤثر في النتائج، مثل المستوى الاقتصادي للأسرة، ونمط الحياة، والبيئة المنزلية، أو وجود الحيوانات الأليفة.

ويُعد هذا النهج من أهم نقاط قوة الدراسة، لأنه يساعد في عزل تأثير ترتيب الولادة عن عوامل أخرى قد تكون مرتبطة بالمرض.

رغم أن الأسباب الدقيقة لهذه الفروق لا تزال غير محسومة، يرجح العلماء أن العلاقة قد تكون نتيجة تداخل مجموعة من العوامل البيولوجية والمناعية والاجتماعية.

ويشير الباحثون إلى أن الطفل الأول غالباً ما يحصل على قدر أكبر من اهتمام الوالدين في السنوات الأولى من حياته، لكنه في المقابل لا يتعرض مبكراً للميكروبات التي قد ينقلها الأشقاء، وهي عملية يعتقد العلماء أنها قد تلعب دوراً في تدريب الجهاز المناعي وتطوير استجابته.

أما الأطفال اللاحقون، فينشؤون عادة في بيئة مختلفة، إذ يكونون أكثر تعرضاً للتفاعل مع الإخوة الأكبر سناً، ما قد يؤثر في تطور المناعة لديهم، كما أن أسلوب تعامل الوالدين معهم قد يختلف مقارنة بتجربة الطفل الأول.

وتطرقت الدراسة أيضاً إلى أهمية الفاصل الزمني بين ولادة الأشقاء، إذ وجدت أن فارق العمر قد يؤثر في بعض الارتباطات الصحية.

فعلى سبيل المثال، كلما زاد الفارق العمري بين الطفل الأول والثاني، ارتبط ذلك بارتفاع احتمال إصابة الطفل البكر باضطراب طيف التوحد، بينما انخفضت لديه احتمالات الإصابة ببعض أنواع الحساسية مقارنة بشقيقه الأصغر.

وشدد الباحثون على ضرورة عدم تفسير النتائج على أنها قاعدة ثابتة تنطبق على جميع الأسر، مؤكدين أن ترتيب الولادة يمثل عاملاً واحداً فقط ضمن مجموعة واسعة من المؤثرات التي تحدد صحة الطفل.

وأوضحوا أن عوامل مثل عمر الوالدين عند الإنجاب، والتاريخ الوراثي للعائلة، والتعرضات البيئية، ونمط التغذية، والرعاية الصحية، تلعب جميعها أدواراً مهمة في تحديد احتمالات الإصابة بالأمراض.

كما أكدوا أن الفروق التي رصدتها الدراسة، رغم أهميتها من الناحية العلمية، تبقى محدودة نسبياً على مستوى الفرد، ولا يمكن استخدامها للتنبؤ بإصابة طفل معين بمرض محدد بناءً على ترتيبه داخل الأسرة فقط.

ويرى العلماء أن هذه الدراسة تقدم منظوراً جديداً حول تأثير البيئة الأسرية المبكرة في الصحة، وتوسع الفهم السابق الذي كان يركز غالباً على تأثير ترتيب الولادة في السلوك والشخصية فقط.

وتخلص الدراسة إلى أن ترتيب الولادة قد يكون مرتبطاً بمجموعة أوسع بكثير من النتائج الصحية مما كان يُعتقد سابقاً، لكنه لا يعمل بمعزل عن العوامل الوراثية والبيئية والاجتماعية.

ويأمل الباحثون أن تساعد هذه النتائج في إجراء دراسات مستقبلية أكثر عمقاً لفهم الآليات التي تقف وراء هذه الاختلافات، بما قد يساهم في تحسين طرق الوقاية والتشخيص المبكر لبعض الاضطرابات الصحية.

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3