علي عمّار واختبار السيادة: ممنوع التدخّل الأميركيّ... مسموح التدخّل الإيرانيّ؟
يبدو أن نائب تنظيم "حزبالله" المحظور علي عمار قرر أن يفتح ملف السيادة ويفقه فيه، لكن مع ملاحظة صغيرة جداً: السيادة، في روايته، لها أبواب ومداخل... وبحسب الجهة التي تطرق الباب. بيان السفارة الأميركية كان كافياً لإطلاق جرس الإنذار. تدخل سافر، انتهاك للسيادة، وصاية، إملاءات وشروط ومسارات من الخارج... كلمات ثقيلة تصطف في بيان واحد، كأنّ لبنان كان طوال السنوات الماضية جزيرة معزولة لا يقترب منها أحد، إلى أن وصلت واشنطن وقرّرت فجأة أن تتدخّل.
لكن لحظة... ماذا عن إيران؟ هنا، يبدو أنّ قاموس السيادة يحتاج إلى بعض التعديلات، فحين تأتي النصائح من واشنطن تصبح "وصاية". أّما حين يأتي السلاح والتمويل والدعم السياسي من طهران، فيصبح الأمر "دعماً للمقاومة" أو "تحالفاً استراتيجيّاً" وليس "تدخلاً". والفرق، طبعاً، في القاموس السياسيّ لا في مفهوم السيادة... عمّار يقول إنّ اللبنانيين قادرون على تقرير مصيرهم بأنفسهم، ممتاز، لكنّ السؤال البسيط: هل اللبنانيّون هم من قرروا خوض "حزبالله" المحظور الحرب لإسناد غزة أو إيران؟ وهل اتّخذت الدولة اللبنانيّة قرار إرسال المقاتلين والسلاح إلى جانب النظام السوريّ؟
والأطرف أنّ الحديث عن "دولة قويّة وقادرة" يعود دائماً إلى الواجهة عندما يكون المطلوب مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل. أمّا عندما يصل الحديث إلى سؤال أكثر إحراجاً: من يملك قرار الحرب والسلم داخل لبنان؟، فجأة يصبح الموضوع أكثر تعقيداً، وتبدأ رحلة البحث عن التعابير الديبلوماسيّة.
دولة قويّة؟ بالتأكيد. جيش قوي؟ بالتأكيد. قرار لبنانيّ مستقلّ؟ بالتأكيد أيضاً.
لكن كيف يمكن بناء دولة قويّة في ظلّ وجود قوّة ميلشيويّة تمتلك قرارها الخاص بالحرب والسلام؟ وكيف يكون القرار اللبنانيّ مستقلاً إذا كان هناك طرف يستطيع أن يقرّر متى يفتح جبهة ومتى يغلقها.
أمّا شعار "لا نقبل بأن تُفرض علينا الخيارات من الخارج"، فجميل جدّاً... لكن هل يشمل هذا الشعار كلّ الخارج أم هناك خارج "مقبول" وآخر "ممنوع"؟
فإذا كانت السيادة تعني رفض التدخل الأميركيّ، فمن المنطقي أن تعني أيضاً رفض أيّ وصاية إيرانيّة. وإذا كان المطلوب أن يقرّر اللبنانيون مصيرهم بأنفسهم، فعليهم أن يقرّروا بأنفسهم أيضاً متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، ومن يحمل السلاح، ومن يتفاوض باسمهم، أو حتى كيف ينعم الشعب بالعيش بسلام، إذا كان أصلاً هذا التعبير موجود في قاموس "حزبالله" المحظور.
السيادة ليست بطاقة انتقائية تُبرز عند الحاجة، فإمّا أن تكون الدولة صاحبة القرار، وإمّا يبقى الحديث عن "استقلال القرار" مجرّد شعار يُرفع في وجه الخارج الذي لا يعجبنا، بينما نفتح الأبواب على مصراعيها للخارج الذي يعجبنا.