وجدي العريضي لإذاعة وتلفزيون جبل لبنان: لبنان دفع أثماناً باهظة والموقف الأميركي واضح في المطالبة بنزع سلاح الحزب، وعودة لبنان إلى محيطه الخليجي ضرورة
أطلّ الصحافي وجدي العريضي في مقابلة مع الإعلامي ريكاردو شلهوب ضمن برنامج “5/5” عبر إذاعة جبل لبنان (87.7 FM) وتلفزيون جبل لبنان، حيث تناول جملة من الملفات اللبنانية السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، متوقفاً عند أزمات متراكمة تهدد استقرار البلاد، وضرورة استعادة الدولة لدورها وتعزيز الانتماء الوطني بعيداً عن الولاءات الطائفية والحزبية والإيديولوجيات الخارجية.
وفي هذا السياق، رأى العريضي أن الأزمة اللبنانية تتجاوز الوضع السياسي والاقتصادي، لتطال التربية والقيم والانتماء الوطني، معتبراً أن الأجيال الجديدة لم تعد تتلقى التربية المدنية والوطنية التي كانت جزءاً أساسياً من التعليم في السابق. وأشار إلى أن الانتماء في لبنان بات موزعاً بين الطوائف والمذاهب والزعامات والأحزاب والإيديولوجيات المرتبطة بالخارج، على حساب الانتماء إلى الوطن.
وتطرق العريضي إلى مسؤولية السنوات الماضية عن الأزمات الحالية، معتبراً أن تراكمات امتدت لعقود لا يمكن تحميلها للعهد الحالي وحده، ومشيراً إلى ما وصفه بتداعيات سلاح تنظيم حزبالله المحظور والأنفاق والتهريب وتبييض الأموال، فضلاً عن ارتباط لبنان بصراعات إقليمية ودولية دفع ثمنها اللبنانيون على مدى عقود، من الحرب الأهلية إلى التدخلات المرتبطة بالفلسطينيين والعراق وسوريا وغزة وإيران.
وشدد على أن الاغتراب اللبناني لا يزال يشكل أحد أبرز مصادر الدعم للاقتصاد، لافتاً إلى أن اللبنانيين المنتشرين في الخارج يساهمون في مساعدة عائلاتهم وتحريك الدورة الاقتصادية، لكن السؤال الأساسي، بحسبه، يبقى: ماذا يمكن أن يقدم لبنان للمغتربين والمستثمرين إذا عادوا إليه؟ ورأى أن جذب الاستثمارات يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة وقضاء نزيه وأرضية قانونية ومؤسساتية واضحة، داعياً إلى شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص لإدارة الاستثمارات وتحريك الاقتصاد.
وفي هذا الإطار، رحّب العريضي بالوفد الإماراتي الذي يزور لبنان ويضم رجال أعمال وشركات، مثمناً دعم الإمارات للبنان ودورها التاريخي في مساندته، لكنه تساءل عن قدرة البلاد على توفير الضمانات اللازمة للمستثمرين، مستحضراً تجربة المستثمر الإماراتي الراحل خلف أحمد الحبتور، ومعتبراً أن حماية أموال المستثمرين والمودعين وتأمين قضاء نزيه يشكلان شرطاً أساسياً لأي استثمار جدي.
وعلى المستوى الأمني، حذر العريضي من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، معتبراً أن التصعيد قد يتوسع إلى مناطق أخرى، ومتوقفاً عند المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية. ورأى أن أهمية هذه المفاوضات تكمن في كونها محاولة لفصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن استمرار الضربات الإسرائيلية يهدد أي مسار تفاوضي، محذراً من احتمال توسع إسرائيل جنوباً وربط مناطق نفوذها في جنوب سوريا بجنوب لبنان.
كما تطرق إلى المفاوضات الإسرائيلية السورية، معتبراً أن من حق كل دولة أن تبحث عن مصالحها عبر التفاوض، ومذكّراً بأن سوريا سبق أن خاضت مفاوضات مع إسرائيل في مراحل سابقة. وأكد أن المبدأ نفسه يجب أن ينطبق على لبنان، رافضاً التخوين والاتهامات بالعمالة التي ترافق أي دعوة إلى الحوار أو التفاوض.
وفي ما يتعلق بتنظيم حزبالله المحظور، رأى العريضي أن الموقف الأميركي بات واضحاً في المطالبة بنزع سلاح الحزب وتحويله إلى حزب سياسي، معتبراً أن العقوبات الأميركية والتصريحات الرسمية في هذا الاتجاه تعكس سياسة أميركية متكاملة. وفي المقابل، انتقد ما وصفه بالتناقض في خطاب الحزب، مشيراً إلى دعوات صادرة عنه للحوار مع واشنطن، بعدما كان الخطاب التقليدي يضع الولايات المتحدة في موقع "الشيطان الأكبر".
وانتقل العريضي إلى ملف الولاءات الخارجية، معتبراً أن الإيديولوجيات المرتبطة بالخارج شكّلت أحد أبرز أسباب أزمات لبنان منذ سبعينيات القرن الماضي، وأن البلاد دفعت أثماناً باهظة نتيجة ارتباط قوى وأحزاب لبنانية بمشاريع إقليمية مختلفة. وانتقد خصوصاً استمرار ارتباط تنظيم حزبالله المحظور بإيران، مشيراً إلى تصريحات إيرانية تتحدث عن دور الحزب في القتال دفاعاً عن إيران، معتبراً أن الأولوية يجب أن تكون لحماية لبنان ومصالحه الوطنية.
وفي هذا السياق، شدد على ضرورة إعادة بناء العلاقات اللبنانية مع دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات وقطر، معتبراً أن تراجع هذه العلاقات انعكس سلباً على الصادرات والاقتصاد اللبناني. ورأى أن عودة الصادرات إلى السعودية والزيارة الاقتصادية الإماراتية تمثلان مؤشرات إيجابية يمكن البناء عليها لإعادة وصل لبنان بمحيطه العربي والخليجي.
أما في ملف السفير الإيراني في لبنان، فأكد العريضي رفض أي تدخل خارجي في الشأن اللبناني، سواء كان إيرانياً أو من أي دولة أخرى، لكنه اعتبر أن معالجة الملف يجب أن تتم بعيداً عن التصعيد، مشيداً بدور المدير العام للأمن العام حسن شقير في التوصل إلى مخرج قانوني بالتنسيق مع رئيس الجمهورية، ومشدداً على ضرورة دراسة أي خطوة سيادية قبل اتخاذها منعاً لتفاقم الانقسامات الداخلية.
كما دعا إلى الحفاظ على وحدة الحكومة في ظل الظروف الحالية، معتبراً أن المرحلة لا تحتمل مزيداً من التوترات السياسية أو محاولات إسقاط الحكومة، في وقت لا تزال تداعيات الحرب تضغط على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي. ورأى أن الحديث عن الانتخابات النيابية المقبلة لا يزال مبكراً في ظل استمرار الحرب وعدم اكتمال الظروف السياسية والأمنية اللازمة.
وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي، انتقد العريضي استمرار اللبنانيين في مواجهة مشكلات أساسية كان يفترض حلها منذ عقود، من الكهرباء والضمان الاجتماعي إلى النفايات والبنى التحتية، معتبراً أن لبنان بقي عالقاً في أزمات تعود إلى الستينيات والسبعينيات، في وقت تجاوزت دول أخرى أزمات الحروب وانتقلت إلى بناء اقتصادات حديثة ومتكاملة.
وفي المقابل، أشاد ببعض الخطوات الحكومية، ولا سيما في قطاع الأشغال والنقل وتطوير مطار بيروت، معتبراً أن هذه المشاريع تمثل نماذج إيجابية رغم ضعف الإمكانات المالية للدولة. كما ثمّن الدعم القطري للبنان، والدور الذي تضطلع به الدوحة في دعم الجيش اللبناني والمساهمة في مشاريع النقل، معتبراً أن قطر تحافظ على مسافة من مختلف الأطراف اللبنانية وتؤدي دوراً دبلوماسياً وسياسياً مهماً.
وختم العريضي بالتشديد على أن لبنان يحتاج إلى إصلاح سياسي وإداري ومؤسساتي شامل، وإلى إدارة قادرة على مكافحة الفساد وإنهاء المحسوبيات السياسية، داعياً إلى استعادة أموال المودعين ومحاسبة الفاسدين وتعزيز استقلال القضاء. وقال إن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون حماية ما تبقى من الدولة وتأمين الأمن والاستقرار، لأن استمرار الأزمات، في ظل الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات، قد يدفع البلاد إلى مزيد من التدهور، فيما يبقى الأمل قائماً في إعادة بناء دولة قادرة على إدارة شؤونها بعيداً عن الولاءات الخارجية.