توقيف رياض سلامة: اختبار جديد لاستقلالية القضاء ومصداقية مصرف لبنان
أعاد توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة فتح ملفه القضائي مجدداً، وسط تساؤلات حول ما إذا كان المسار القضائي سيتجه نحو معالجة كاملة للملف أم أنه سيبقى مرتبطاً بالتجاذبات السياسية. ومع عودة التحقيقات إلى الواجهة، برزت أسئلة تتعلق بدور مصرف لبنان، باعتباره الجهة المدعية، وبمسؤولية الحاكم السابق وحده أو مسؤولية أطراف أخرى وردت أسماؤها في الملفات المفتوحة.
وبحسب "النهار"، تشير مراجع مالية إلى أن مصرف لبنان يختلف جذرياً عن المصارف التجارية، فهو السلطة النقدية العليا والجهة الرقابية المسؤولة عن استقرار القطاع المصرفي والسياسة النقدية. إلا أن المشكلة، وفق هذه المراجع، تكمن في أن بعض الأطراف تعاملت مع المصرف المركزي خلال السنوات الماضية كأنه مصدر تمويل عادي يمكن الاستفادة من إمكاناته استناداً إلى القرب من مركز القرار، بدلاً من التعامل معه كمؤسسة سيادية لها دور محدد في حماية النظام المالي.
وتوضح المراجع أن تدخل مصرف لبنان يكون مبرراً عندما يكون الهدف حماية مصرف يواجه أزمة سيولة أو خطر الانهيار أو سحباً واسعاً للودائع، لكنه لا يشمل تمويل عمليات خاصة تتعلق بانتقال ملكيات أو تسديد ديون لكيانات خاصة في الخارج، ما لم يكن المصرف المعني يواجه خطراً فعلياً يهدد استمراره.
وفي هذا السياق، تركز التحقيقات على عمليات مرتبطة بأسهم في مصرف عودة وبكيان مرتبط ببنك ميد، إذ ترى المراجع أن القضية الأساسية ليست فقط ما إذا كانت الأموال قد أعيدت مع فوائدها، بل مدى قانونية استخدام أموال مصرف لبنان، التي ترتبط بشكل كبير بحقوق المودعين، في مثل هذه العمليات.
وتستند هذه القراءة إلى أن المادة 70 من قانون النقد والتسليف تحدد نطاق تدخل المصرف المركزي، ولا تسمح باستخدام موارده لخدمة مصالح خاصة. وبالتالي، فإن أي قرار إداري يصدر عن الحاكم لا يصبح قانونياً إذا خالف النصوص القانونية، لأن الصلاحيات تبقى مقيدة بالقانون.
وتعتبر المراجع أن القضية لا تتعلق بمصارف تجارية كمؤسسات، بل بمسؤولية شخصية إذا ثبت أن أفراداً أساؤوا استخدام مواقعهم أو شاركوا في معاملات مخالفة للقانون. كما تشير إلى أن ضعف المحاسبة في السابق ساهم في ترسيخ ثقافة تعتبر أن الموافقات الإدارية كافية لإضفاء الشرعية على أي إجراء، فيما يبقى القانون هو المرجع الأساسي.
وتؤكد أن القضاء، من خلال فتح التحقيقات، لا يصدر أحكاماً مسبقة، بل ينتقل إلى مرحلة التدقيق استناداً إلى وثائق وبيانات ومراسلات مالية جمعت من لبنان وخارجه، إضافة إلى إفادات أشخاص معنيين بالملف.
وتتجاوز القضية في جوهرها مسؤولية الأشخاص إلى البحث في وظيفة المصرف المركزي وحدود استخدام موارده. فالمصرف ليس صندوقاً لتمويل الصفقات الخاصة، بل مؤسسة هدفها حماية الاستقرار النقدي والمالي وصون الثقة بالعملة والنظام المصرفي. وأي استخدام غير قانوني لموارده لا يقاس فقط بقيمة الأموال أو بإعادتها لاحقاً، بل أيضاً بالأضرار التي قد تلحق بسمعة المؤسسة وثقة المواطنين والأسواق بها.
لذلك، يشكل الملف اختباراً لقدرة الدولة على فرض مبدأ المحاسبة داخل المؤسسات السيادية، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة احترام الحقوق القانونية والصحية لأي شخص يخضع للتحقيق، من دون أن تتحول هذه الاعتبارات إلى وسيلة لتعطيل مسار العدالة أو التأثير في عمل القضاء.