محمد بركات لإذاعة وتلفزيون جبل لبنان: إسقاط الاتفاق متعثر، المقاومة انكسرت عسكرياً والسعودية تحمي لبنان
أطلّ الكاتب السياسي والصحافي محمد بركات في مقابلة مع الإعلامي ريكاردو شلهوب ضمن برنامج "5/5" عبر إذاعة جبل لبنان (87.7 FM) وتلفزيون جبل لبنان، حيث تناول اتفاق الإطار المطروح بين لبنان وإسرائيل، وانعكاساته السياسية والأمنية، ومواقف القوى اللبنانية منه، إضافة إلى دور إيران والسعودية والولايات المتحدة في المرحلة المقبلة.
ورأى بركات أن الحديث عن مرحلة ما بعد الاتفاق لا يزال مبكراً، لأن لبنان لا يزال في صلب المعركة السياسية المرتبطة به، مشيراً إلى وجود ثلاث محاولات أساسية لعرقلة مساره، تتمثل بمحاولة إسقاطه سياسياً داخل المؤسسات، ومحاولة تعطيله ميدانياً عبر التصعيد في الجنوب، فضلاً عن الضغوط الإيرانية الرافضة لأي مسار يعزز سلطة الدولة اللبنانية ويضعف نفوذ السلاح خارج إطارها.
وأكد أن الاتفاق يخدم إسرائيل من جهة، لكنه يخدم الدولة اللبنانية أيضاً، لأنه للمرة الأولى تظهر الدولة بصفتها صاحبة القرار في السلم والحرب، وتسعى إلى إنهاء الصراع حتى ولو بشروط صعبة، معتبراً أن البديل هو المزيد من الدمار والتدهور وفرض شروط أكثر قسوة على لبنان.
وفي ما يتعلق بإمكانية إسقاط الاتفاق، شدد بركات على أن إسقاط الاتفاق متعثر ومتعذر في الظروف الحالية، مذكّراً بأن اتفاق 17 أيار لم يسقط داخل مجلس النواب بل سقط في الشارع خلال انتفاضة السادس من شباط عام 1984، في ظل وجود نظام حافظ الأسد، والدعم الإيراني المتصاعد آنذاك، إضافة إلى نفوذ المعسكر السوفياتي والقوى المسلحة المنتشرة في الداخل اللبناني.
وأوضح أن الشخصيتين الأساسيتين اللتين أسهمتا في إسقاط اتفاق 17 أيار، أي رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، لا يطرحان اليوم خيار الشارع، بل يتمسكان بالمؤسسات. ولفت إلى أن بري ينقل المواجهة إلى المؤسسات الدستورية بصفته رئيساً لمجلس النواب، فيما يعلن جنبلاط دعمه لحصر السلاح بيد الدولة ورفضه إسقاط أي مبادرة دبلوماسية قبل مناقشتها، رغم إبدائه تحفظات سياسية على الاتفاق.
وأشار إلى أن الحزب التقدمي الاشتراكي جزء من السلطة الحالية وموافق على مبدأ التفاوض المباشر، بينما تتباين اللغة السياسية المستخدمة في الإعلام مع المواقف العملية داخل المؤسسات، معتبراً أن جنبلاط لا يريد أن يكون في واجهة الدفاع عن الاتفاق لكنه لا يقود معركة لإسقاطه.
وفي قراءته للمشهد النيابي، أكد بركات أن معظم النواب المستقلين ونواب التغيير وغالبية الكتل المسيحية والسنية لا يقفون في مواجهة مسار التسوية، فيما لم يعلن رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل رفضه الاتفاق، بل اكتفى بالقول إنه لا يحقق التحرير الكامل ويحتاج إلى تحسينات، ما يضعه في موقع قريب من مواقف بري وجنبلاط.
واعتبر أن النقاش الدائر اليوم في لبنان يتمحور حول مفهومين متقابلين هما "المقاومة" و"السلام"، مشيراً إلى أن الكفة تميل حالياً لمصلحة السلام، لأن المقاومة انكسرت عسكرياً، وإذا لم تكن قد هُزمت نهائياً فهي بالتأكيد تعرضت لانكسار كبير، ما أدى إلى تراجع القناعة بجدوى استمرار الصراع المفتوح مع إسرائيل، خصوصاً في ظل الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة التي دفعتها المناطق الجنوبية والبيئة الشيعية.
وأكد أن الاتفاق المطروح ليس اتفاق سلام نهائياً، بل هو اتفاق إطار يحدد المبادئ العامة للتفاوض بين الجانبين. كما أشار إلى معلومات متداولة حول وجود ملحق سري يتضمن ربط الانسحاب الإسرائيلي بتفكيك سلاح تنظيم حزبالله المحظور، موضحاً أن آليات التنفيذ، وضمانات نزع السلاح، وكيفية الانسحاب، لا تزال كلها ملفات مفتوحة أمام مفاوضات لاحقة قد تقود إلى اتفاق سلام أو اتفاق لإنهاء النزاع.
ولفت إلى أن الاتفاق بصيغته الحالية لا يتضمن تفاصيل تنفيذية كافية لإحالته إلى مجلس النواب، معتبراً أن أي مواجهة نيابية حوله تبقى مؤجلة إلى مرحلة لاحقة عندما تُطرح اتفاقية نهائية متكاملة.
وفي معرض انتقاده لمواقف إيران وتنظيم حزبالله المحظور، رأى بركات أن الحزب يرفض الاتفاق بحجة أنه يشرعن الوجود الإسرائيلي في الجنوب، لكنه في المقابل لم يقدم بديلاً عملياً لاستعادة الأراضي أو وقف التوسع الإسرائيلي. وأضاف أن طهران لوّحت مراراً بإجراءات تصعيدية من إغلاق مضيق هرمز إلى تعليق المفاوضات، إلا أنها لم تنفذ أياً من هذه التهديدات.
واعتبر أن رفض الاتفاق الحالي سيؤدي إلى فرض شروط أكثر تشدداً على لبنان مستقبلاً، مشيراً إلى أن عدم الالتزام بالاتفاقات السابقة ساهم في توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية وازدياد حجم الدمار في القرى الجنوبية. ورأى أن استمرار التعنت الإيراني ورفض التسويات قد يفتح الباب أمام خسائر إضافية واحتلال مناطق جديدة.
وأضاف أن المستفيد الأكبر من استمرار الحروب في المنطقة كان دائماً إسرائيل، معتبراً أن تجارب العقود الماضية أظهرت أن رفض التسويات قاد إلى خسارة المزيد من الأراضي والفرص السياسية، بينما يتيح السلام للدول العربية حماية ما تبقى من مصالحها الوطنية.
وفي ما يتعلق بالزيارات الإيرانية المتكررة إلى بيروت، سواء عبر رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أو وزير الخارجية عباس عراقجي، إضافة إلى الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، رأى بركات أنها تندرج في إطار محاولة إيرانية لإعادة تعويم نفوذها في لبنان بعد التراجع الذي أصاب مشروعها الإقليمي.
وأكد أن المرحلة المقبلة لا تسمح بأي دور عسكري إيراني في لبنان، كما لا تسمح بدور عسكري إسرائيلي أو سوري، معتبراً أن اللبنانيين يرفضون إعادة إنتاج أي وصاية خارجية على البلاد.
ورأى أن لبنان يقف اليوم على أعتاب مرحلة قد تشهد للمرة الأولى منذ عقود قراراً لبنانياً أكثر استقلالية، وإن كان هذا التحول يأتي نتيجة الوقائع العسكرية التي فرضتها الحرب الأخيرة.
وفي ملف سلاح تنظيم حزبالله المحظور، أوضح أن الأزمة تتمثل في تمسك كل طرف بشروطه، إذ تربط إسرائيل انسحابها الكامل بتفكيك السلاح، بينما يرفض الحزب تسليم سلاحه قبل الانسحاب الإسرائيلي، ما يجعل الأزمة تدور في حلقة مفرغة تحتاج إلى ضمانات دولية وعربية لكسرها.
وشدد بركات على أن السعودية تشكل اليوم ركيزة أساسية لحماية لبنان واستقراره، وهي تحمي لبنان من الجهة السورية وتمنع أي تهديد أو اجتياح محتمل للبقاع، فيما تشكل الولايات المتحدة الضامن الأساسي لأي تفاهم مع إسرائيل. وأضاف أن واشنطن تملك القدرة على الضغط على الحكومة الإسرائيلية ودفعها نحو التفاوض أو الالتزام بالتفاهمات، بينما تؤدي الرياض دور المظلة العربية الرئيسية الداعمة لاستقرار لبنان.
كما اعتبر أن إعادة إعمار الجنوب تتطلب عشرات مليارات الدولارات، وهو أمر يفوق قدرة إيران الاقتصادية الحالية، ما يجعل الدعم العربي والدولي، بقيادة السعودية وبدعم من قطر ومصر وفرنسا والولايات المتحدة ضمن إطار اللجنة الخماسية، عاملاً أساسياً في أي خطة إنقاذ وإعمار.
وختم بركات بالتأكيد أن الحديث عن "دوحة 2" أو تعديل الدستور اللبناني لا يستند إلى أي معطيات جدية، معتبراً أن الأولوية اليوم تتمثل في منع إسرائيل من تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية دائمة، والوصول إلى تسوية تؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي واستعادة الاستقرار، معرباً عن أمله في أن تحمل المرحلة المقبلة انفراجات للبنان بعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات.