مسارات جديدة لاستخبارات اليوم!
مع الحرب بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وبعد محاولة اغتيال الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في عشاء مراسلي البيت الأبيض، عاد الحديث عن دور الاستخبارات في حياة ومستقبل الدول والرؤساء والقادة والعلماء، حيث يرى كثيرون أنّ الاستخبارات الاستراتيجيّة، التي يفترض أن تساعد في رسم السياسات الكبرى، لم تكن يوماً العامل الحاسم في قرارات الأمن القوميّ. فالقادة، خصوصاً في الدول الديموقراطيّة، يمتلكون رؤى وأفكاراً خاصّة حول العالم وكيفيّة التعامل معه، ولا يعتمدون بالكامل على تقارير الأجهزة الاستخباراتيّة لفهم البيئة الاستراتيجيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ الطلب على هذا النوع من الاستخبارات في الولايات المتّحدة وإسرائيل يشهد تراجعاً ملحوظاً.
في السنوات الأخيرة، اتّجهت كلّ من الولايات المتّحدة وإسرائيل إلى اعتماد استراتيجيّات وقائيّة بشكل متزايد، تقوم على المبادرة وتنفيذ عمليّات استباقيّة باستخدام القوّة المباشرة، بهدف إجبار الخصم على تغيير سلوكه، بدل الاكتفاء بردعه. صحيح أنّ هذا النهج ليس جديداً، فإسرائيل مثلاً سعت منذ زمن طويل لمنع خصومها من امتلاك أسلحة نوويّة، لكن وتيرة تطبيقه تسارعت بشكل واضح.
يقول محدّثي الخبير الأمنيّ إنّ هذا التوجّه ظهر بوضوح في الحملة الإسرائيليّة ضدّ إيران في يونيو (حزيران) 2025، التي هدفت إلى منعها من تطوير قدرات نوويّة وصاروخيّة، وترافقت مع ضربات أميركيّة لها الهدف نفسه. في هذه الحال، لم يعد الردع كافياً لتغيير سلوك طهران، فتمّ اللجوء إلى سياسة "الإجبار".
والأمر ذاته تكرّر في العمليّة الأميركيّة مطلع 2026 للقبض على الرئيس الفنزويليّ نيكولاس مادورو، حيث استُخدمت القوّة المباشرة بعد فشل الردع.
اليوم يقول: تُعدّ العمليّات الأميركيّة والإسرائيليّة ضدّ إيران المثال الأوضح على هذا النهج الوقائيّ، إذ تسعى الدولتان إلى منع طهران من تطوير سلاح نوويّ، وتقليص نفوذها الإقليميّ، بل حتّى الدفع نحو تغيير النظام في الحال الإسرائيليّة. وهنا أيضاً، لم يعد الردع وسيلة فعّالة.
هذا التحوّل نحو الاستراتيجيّات الوقائيّة قد يعكس تراجعاً في أهميّة الاستخبارات الاستراتيجيّة. أوّلاً، لأنّ هذه الاستراتيجيّات تركّز على إضعاف قدرات الخصم، بدل محاولة فهم نواياه والتأثير عليها. وبالتالي، تصبح الاستخبارات العملياتيّة والتقنيّة، إضافة إلى استخبارات الاستهداف، أكثر أهميّة من التحليلات الاستراتيجيّة التي تحاول تفسير نوايا الخصم.
ففي حال إيران، يبدو أنّ القرار قد اتُخذ باعتبار برنامجها النوويّ تهديداً يجب منعه، بغض النظر عن نواياها المستقبليّة الفعليّة.
ثانياً، يوضح الخبير الأمنيّ: "بات القادة يعتمدون أكثر على رؤيتهم السياسيّة والأيديولوجيّة لتقدير مدى خطورة التهديدات، وليس فقط على التقييمات الاستخباراتيّة. ففي الولايات المتحدة، أشارت مديرة الاستخبارات الوطنيّة تولسي غابارد إلى أنّ الرئيس وحده يقرّر ما إذا كان التهديد وشيكاً، في إشارة إلى الملف الإيرانيّ. وفي إسرائيل، أكّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنّ بلاده تحرّكت، لأنّ إيران بدأت نقل منشآتها إلى مواقع تحت الأرض، ممّا قد يجعل استهدافها لاحقاً أكثر صعوبة".
مرة أخرى، يبدو أنّ المعلومات العملياتيّة حول القدرات، وليس التحليل الاستراتيجيّ للنوايا، هي التي تقود القرار.
ثالثاً، هناك تراجع في ثقة القادة بجودة التقييمات الاستراتيجيّة التي تقدّمها أجهزتهم. ففي الولايات المتّحدة، عبّر الرئيس دونالد ترامب مراراً عن عدم ثقته بتقييمات الاستخبارات، ودعا العاملين فيها سابقاً إلى "العودة إلى الدراسة". كما أنّ بعض الإدارات ترى أنّ هذه الأجهزة مسيّسة، وهو ما قد يؤدّي فعلياً إلى تسييسها. وفي إسرائيل، وبعد الإخفاق الاستخباراتيّ الكبير في أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023، الذي شمل سوء تقدير استراتيجيّة ونوايا "حماس"، يُرجّح أنّ الحكومة فقدت جزءاً من ثقتها بالتقديرات الاستراتيجيّة.
يقول محدّثي: في هذا السياق، قد يعتقد القادة أنّ تقديراتهم الشخصيّة لنوايا الخصم أكثر دقّة من تلك التي يقدّمها المختصّون، حتى وإن كانوا لا يستطيعون تنفيذ عمليّاتهم من دون معلومات استخباراتيّة عملياتيّة دقيقة.
أقول له: يلفت بعض المتابعين إلى أنّ هذا التراجع لا يرتبط فقط بخيارات سياسيّة، بل أيضاً بطبيعة البيئة الدوليّة نفسها التي باتت أكثر تقلّباً وأقلّ قابليّة للتنبؤ. ففي عالم سريع التغيّر، حيث تتداخل التهديدات التقليديّة مع الهجمات السيبرانيّة والحروب غير المتكافئة، يصبح من الصعب إنتاج تقديرات استراتيجيّة طويلة الأمد تحظى بثقة صانعي القرار. يجيب: هذا ما يدفع القادة إلى تفضيل المعطيات الفوريّة والدقيقة التي يمكن البناء عليها بسرعة، بدل الانتظار لتحليلات قد لا تصمد أمام تطوّرات متلاحقة.
إلى جانب ذلك، لعبت التكنولوجيا دوراً مضاعفاً في هذا التحوّل، فالتقدّم في مجالات المراقبة والأقمار الاصطناعيّة والذكاء الاصطناعيّ أتاح كميّات هائلة من البيانات اللحظية، ممّا عزّز من قيمة الاستخبارات العملياتيّة على حساب التحليل الاستراتيجيّ الذي يحتاج إلى وقت وصبر وتركيب معقّد للمعلومات. ومع تزايد الاعتماد على هذه الأدوات، باتت القرارات تُبنى أكثر على ما يمكن رصده وقياسه فوراً، لا على ما يمكن استنتاجه وتحليله على المدى البعيد.
لا يمكن إغفال تأثير الرأي العام والضغوط السياسيّة الداخليّة، خصوصاً في الدول الديموقراطيّة، حيث يطالب الجمهور بنتائج سريعة وحاسمة في مواجهة التهديدات. هذا الضغط يدفع القادة إلى تبني سياسات أكثر مباشرة ووضوحاً، حتى لو جاءت على حساب العمق التحليليّ. فالاستخبارات الاستراتيجيّة بطبيعتها لا تقدّم إجابات حاسمة بقدر ما تطرح سيناريوهات واحتمالات، وهو ما قد لا ينسجم مع إيقاع السياسة اليوميّة.
مع ذلك، يبقى السؤال كما يقول الخبير الأمنيّ، مفتوحاً على تكلفة هذا التحوّل على المدى الطويل، فإضعاف دور الاستخبارات الاستراتيجيّة قد يؤدّي إلى قرارات تفتقر إلى الفهم العميق لسلوك الخصوم، ممّا يزيد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المحسوب. وفي لحظات الأزمات الكبرى، قد تعود الحاجة إلى هذا النوع من التحليل بقوّة، بعدما يكون قد تراجع حضوره أو فقد جزءاً من قدرته. هنا تحديداً تكمن المفارقة: فحين يُهمّش التفكير الاستراتيجيّ، يصبح غيابه أكثر وضوحاً في اللحظة التي تكون الحاجة إليه في ذروتها.
وقد يفتح هذا المسار أيضاً نقاشاً أوسع داخل المؤسّسات الأمنيّة حول كيفيّة إعادة التوازن بين العمل الاستخباراتيّ بمستوياته المختلفة، بحيث لا يطغى البُعد العملياتيّ على الرؤية الشاملة. فالتاريخ يظهر أنّ القرارات التي تُبنى على معلومات آنيّة فقط قد تحقّق نجاحاً سريعاً، لكنّها لا تضمن استقراراً طويل الأمد. ويخلص إلى القول: من هنا، تبدو الحاجة مُلحّة إلى إعادة الاعتبار إلى التحليل الاستراتيجيّ، ليس بوصفه بديلاً عن العمل الميدانيّ، بل مكمّلاً له، يحدّ من المخاطر ويمنح صانعي القرار رؤية أوسع في لحظات الغموض.
(صحيفة الشرق الأوسط)