كلُّ شيء في روسيا من أجل الحرب!
Credits: info3

كلُّ شيء في روسيا من أجل الحرب!

 بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على فرض أوسع سلسلة عقوبات عرفها النظام الدوليّ على اقتصاد بحجم روسيا، بات واضحاً أنّ الرهان الغربيّ على الانهيار السريع لم يكن في مكانه. فبدلاً من أن تُشلّ القاعدة الصناعيّة العسكريّة، أعادت موسكو ترتيب أولويّاتها، وحوّلت اقتصادها بالكامل إلى اقتصاد حرب، مستفيدة من ثغرات النظام التجاريّ العالميّ، ومن تردّد سياسيّ غربيّ واضح في الذهاب حتى النهاية في معركة العقوبات.

روسيا اليوم لا تعيش تحت العقوبات فحسب، بل تعيش داخلها، وتتكيّف معها، وتعيد إنتاجها كعامل تنظيم داخليّ. المصانع العسكريّة تعمل بوتيرة غير مسبوقة، إنتاج القذائف والمسيَّرات والصواريخ تضاعف، وسلاسل التوريد التي قُطعت من الغرب أُعيد وصلها عبر مسارات ملتوية. الرسالة التي ترسلها موسكو واضحة: العقوبات لا توقف الحرب، بل تغيّر شكلها وتطيل أمدها.

التحوّل الأهمّ كان الانتقال الكامل إلى ما يمكن وصفه باقتصاد التعبئة، فوفق تقييمات حلف شمال الأطلسيّ، تنتج روسيا خلال أشهر ما يعجز الاتحاد الأوروبيّ عن إنتاجه خلال عام كامل. هذا التفوّق الكميّ لا يعكس قوّة اقتصاديّة تقليديّة، بل أولويّة سياسيّة مطلقة: كلّ شيء في خدمة الحرب، وكلّ القطاعات الأخرى تُهمَّش أو تُستنزف من أجلها. هذا خيار استراتيجيّ اتّخذه الكرملين بوعي كامل، بقيادة الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، وهو يدرك تكلفته بعيدة المدى، لكنّه يعتبرها أقلّ خطراً من الهزيمة.

غير أنّ هذا الاقتصاد لم يكن ليستمرّ، لولا شبكة التفاف دوليّة معقّدة. في قلب هذه الشبكة تقف الصين، بوصفها الحليف الأثقل وزناً، فبكين لا توفّر فقط المعدّات الصناعيّة والإلكترونيّات الدقيقة والموادّ الحسّاسة، بل تؤمّن أيضاً الإطار الماليّ الذي يسمح لموسكو بالتحرّر من الرقابة الغربيّة. الانتقال شبه الكامل إلى التسويات باليوان والروبل أنهى عمليّاً قدرة الدولار واليورو على لعب دور سلاح عقابيّ، وخلق ممرّاً ماليّاً محصّناً ضدّ العقوبات التقليديّة.

هذا الارتباط المتزايد بالصين ليس مجانيّاً، فروسيا تدفع أثماناً أعلى، وتقبل بهوامش ربح مجحفة، وتزداد تبعية لشريك يعرف كيف يستثمر اللحظة، لكنّها، في المقابل، تضمن استمرار تدفّق التكنولوجيا والمال والطاقة، وهو ما يكفي لإدامة الحرب، حتى لو تآكل الاقتصاد المدنيّ تدريجياً وتراجعت فرص التنمية بعيدة المدى.

إلى جانب الصين، برزت تركيا والإمارات كعقدتين محوريّتين في منظومة إعادة التصدير. فالمناطق الحرّة، والشركات الوسيطة، وسلاسل الترانزيت، تحوّلت إلى أدوات سياسيّة غير معلنة. من قطع الطيران إلى المكوّنات الإلكترونيّة وأنظمة الاتصالات، تصل السلع إلى روسيا وقد غُيّبت هويّتها الحقيقية. هذه ليست تجارة عفويّة، بل اقتصاد ظلّ منظّم، يعرف كيف يعمل تحت سقف القانون من دون أن يخرقه صراحة.

أمّا آسيا الوسطى، فقد تحوّلت إلى الخاصرة الرخوة للعقوبات. دول بلا قاعدة صناعيّة تُذكر، أصبحت فجأة مستورداً لمعدّات لا تستخدمها ولا تحتاج إليها، قبل أن يُعاد تصديرها إلى روسيا. الشركات الوهميّة، والبنوك الصغيرة، والاستثمارات اللوجيستيّة الجديدة، كلّها تشكّل شرايين خفيّة للاقتصاد الحربيّ الروسيّ، وسط عجز أوروبيّ واضح عن التدقيق والملاحقة.

في المقابل، تبدو الإرادة السياسيّة الغربية متردّدة. فالعقوبات الثانوية، التي كان يُفترض أن تكون سلاح الردع الحقيقي، تُستخدم بانتقائية. التردد في استهداف كيانات صينيّة أو الضغط الجديّ على دول وسيطة، فتح المجال أمام ترسّخ شبكات الالتفاف بدلاً من تفكيكها. وحتى حين تُفرض عقوبات جديدة، فإنّها تأتي متأخرة، ومجزّأة، وغير كافية لتغيير الحسابات الاستراتيجيّة في موسكو.

وما يزيد خطورة هذا المشهد أن الاقتصاد الحربي الروسي لم يعد مجرد استجابة ظرفية للحرب، بل تحوّل إلى بنية دائمة يجري ترسيخها سياسياً واجتماعياً. فالدولة تعيد تشكيل علاقتها بالمجتمع على قاعدة التعبئة المستمرة، وتُعيد تعريف الاستقرار لا بوصفه ازدهاراً اقتصادياً، بل قدرة على الاحتمال. ومع مرور الوقت، تتراجع الحساسية الداخلية تجاه تكلفة العقوبات، ويُعاد تطبيع العيش في اقتصاد منغلق، موجّه، ومشحون بخطاب المواجهة مع الغرب.

في هذا السياق، يراهن الكرملين على عامل الزمن، وعلى تآكل الإجماع الغربي بفعل الضغوط الاقتصادية الداخلية والانقسامات السياسية وتغيّر الأولويّات الدوليّة. فكل شهر تمرّ فيه الحرب من دون تصعيد نوعي في العقوبات يُحسب في موسكو نقطةً إضافية في رصيد الصمود. وكل ثغرة تُترك مفتوحة تتحول سريعاً إلى مسار ثابت يصعب إغلاقه لاحقاً.

ومع ذلك، لا يمكن القول إنّ العقوبات بلا أثر. التكلفة تتراكم، والتشوّهات البنيويّة تتّسع. الاقتصاد الروسيّ بات أكثر انغلاقاً وأقلّ تنوّعاً وأكثر ارتهاناً للحرب ولعدد محدود من الشركاء. الاستثمار طويل الأمد يتراجع، والقطاعات المدنيّة تُستنزف، ومستوى المعيشة يُضغط عليه بصمت. هنا، تبرز المقارنة مع التجربة السوفياتيّة: قدرة على الاستمرار في البرامج ذات الأولويّة، يقابلها تآكل بطيء، ثمّ فجائي، في بنية الاقتصاد ككل.

في الخلاصة، ما تكشفه التجربة الروسيّة ليس فشل العقوبات بحد ذاتها، بل فشل استخدامها كنصف حل، فالعقوبات التي لا تُستكمل بإرادة سياسيّة صارمة، ولا تُسدّ ثغراتها، تتحوّل من أداة ضغط إلى واقع يتكيّف معه الخصم. وروسيا اليوم تقدّم النموذج الأوضح: دولة قرّرت أن تدفع ثمن العزلة ما دامت الحرب مستمرّة، وتراهن على أنّ خصومها قد يتعبون قبل أن تتعب هي.

وما يغفله كثيرون أنّ استمرار هذا النموذج لا يعتمد فقط على الخارج، بل على ضبط داخليّ صارم يربط الاقتصاد بالسياسة والأمن في معادلة واحدة. فكلّما طال أمد الحرب، تقلّص هامش الاعتراض، وتوسّعت صلاحيّات الدولة في إدارة الموارد والأسعار وسوق العمل. بهذا المعنى، لا يُدار الاقتصاد الروسيّ بعقليّة التنمية، بل بعقليّة الصمود، حيث تُقدَّم القدرة على الاستمرار بوصفها انتصاراً بحد ذاته. غير أنّ هذا الخيار، وإن نجح مرحليّاً، يراكم أعباء مؤجّلة قد لا تظهر آثارها فوراً، لكنّها تجعل أيّ انتقال لاحق إلى اقتصاد طبيعيّ أكثر كلفة وتعقيداً.

(صحيفة الشرق الأوسط)



* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3