جنوبيّون في روايتهم الصادقة وعاطفتهم النبيلة
هذا العمود يستضيف اليوم أصواتاً جنوبيّة قليلة، لا يتّسع المكان لأكثر منها، لكنّها قويّة التعبير، أصحابها خسروا أحبّاء وأملاكاً وبيوتاً، وحاولوا بهذه المقطوعات (المستعارة من الفيسبوك) وبغيرها أن يرووا بعض أجزاء القصّة الفعليّة، بعيداً من الرواية التي أملاها السلاح، وأن يصوّروا جوانب من ألمهم وألمنا.
المؤرّخ والمثقّف البارز أحمد بيضون، ابن بنت جبيل، كتب عن "الاحتلال": "بدمائنا اشْتَرينا هذا الاحتلال، كنّا نعلمُ أنّنا بالِغوهُ، لا بُدّ! بالِغوه ولو بشِقّ الأنفُس. طالَ بنا عهدُ خُسرانِه وها قد اسْتَعدْناه. مِراراً أشَرْنا له بالسبّابةِ وبالوسطى:
أن عد لا تألَف فراقنا. عد هجّرنا مرّة أخرى، من هذه البيوت التي أنشأناها مرّةً أخرى، أو هَجر البُيوتَ مرّةً أخرى مِن صُوَرِها وصُوَرِنا!
هَجِّرْها أشْلاءً فَوْقَ أَشْلائنا!...
بَلى! حَصَّلْناهُ مُجَدّداً: هذا القَبيحُ المُشْتهى. تقلَّصَ وتمدَّد كثيراً ونحنُ مستَميتونَ في مَعانَدتِه. فَكانَ أن حَصّلْناهُ بفخرٍ لا مزيدَ عليه. هو المِسْخُ الذي اتّخَذْناه معنىً لِحياتِنا. قَريناً لسَرائرنا. أحْكَم وِثاقَنا وأخَذَ بخِناقِنا شاكراً. قُلْنا: نَدْحَرُه بعدَ حينٍ
أو يَدْحَرُه أولادُنا. نقولُ: ذاكَ ما يُقالُ لهُ المستقبل. ونقولُ: باتَ يُقالُ لهُ الماضي أيضاً... بأعمارٍ وأرضٍ وعمرانٍ قايَضْنا الاحتِلالَ الآن، ولأولادِنا نغادر أمجاداً ادَّخَرْناها وأخرى لَفَّقْناها...
في رُبعِ عَقْدٍ أو في رُبْعِ قرنٍ أو في أزيَدَ من نصفِ قرنٍ أو في قرنٍ أو يزيدُ قليلاً لم نتعب فيها من اسْتِضافةِ الموتِ في صدارةِ البيوتِ والساحات، مِن اسْتِعجالِهِ بِما يُصِمُّ أُذُنَيه إذا أبْطَأ...
ولأولادنا نغادر أمجاداً وخرائب، نغادر لهم خرائبَ دِيارٍ وخرائبَ أعمار ومَدافنَ عامرةً لأيّامِ البَطالة وأرصفةً تؤويهم على مضض".
واستعاد الكاتب والإعلاميّ رامي الأمين عناوين سرد صادق للمأساة:
8 أكتوبر 2023: حرب إسناد غزة. شهور من المناوشات العسكرية بين "حزبالله" وإسرائيل على الحدود. الحزب هو من بدأ تلك الحرب في اليوم التالي للسابع من أكتوبر، بعد أقل من 24 ساعة. طبعاً، لم يناقش احداً ولم يسأل أحداً، ولم يبلغ سكان الجنوب قبل فتح الجبهة، صفر مسؤوليّة واكتراث بالناس وحيواتهم.
المبعوث الأميركيّ هوكستين حضر مراراً بعروض لوقف إطلاق النار، تمّ رفضها جميعاً من الحزب.
تدحرجت كرة النار، وشنَّت إسرائيل هجمات قاسية على الحزب، البيجر، اغتيال قادة الرضوان، ثمّ اغتيال نصرالله. دخلت واحتلت نقاطاً خمساً في الجنوب. رضخ "حزبالله" لوقف لإطلاق النار ووقع على تطبيق القرار 1701 مجدداً. لا إسرائيل التزمت ولا "حزبالله" التزم، والدولة كانت تكذب أمام الأميركيين والمجتمع الدولي عن إتمام سحب سلاح الحزب جنوب الليطاني.
النتيجة خمس نقاط محتلة، انكشاف تام لعناصر الحزب أمام الاغتيالات الإسرائيلية التي استمرت 15 شهراً. كان الحزب يتحضر لجولة اخرى هذه المرة على التوقيت الإيراني.
بعد اغتيال خامنئي، أطلق "حزبالله" العنان لجولة أخرى من الحرب، "لتحسين شروط التفاوض"، كما قال. انتهى وقت الكلام، كما أكد لنا، والكلمة الآن للميدان.
بعد ما يقارب شهرين، الميدان يقول إنّ إسرائيل توسّعت في الجنوب. واليوم، تعد لاحتلال 15 نقطة دائمة في قرى الشريط الحدوديّ. وصلت إلى بنت جبيل، ويخوض "حزبالله" معها معارك ضارية بمعزل عن الجغرافيا. من خمس نقاط محتلّة إلى 15 نقطة، من قرى حدوديّة في الخطّ الأوّل مدمّرة بالكامل، إلى قرى مدمّرة في الخطين الثاني والثالث.
من كلفة اعادة اعمار وتعافٍ، كانت في عام 2024 تبلغ حوالى 11 مليار دولار إلى رقم أكبر بكثير هذه الأيّام، من مئات القتلى والجرحى، إلى الآلاف اليوم، وعشرات الآلاف غداً إذا استمرّت المجزرة.
لا أحد يناقش في وحشيّة نتنياهو وحكومته. غزّة أمامنا، ورأينا العالم كيف تصرّف، وأين وصلت الأمور (...) التفاوض بالنار مع إسرائيل نتنياهو غير التفاوض بالنار مع إسرائيل إيهود أولمرت في عام 2006.
إيران في عام 2006 غير إيران اليوم.
سوريا في عام 2006 غير سوريا اليوم.
تحالفات "حزبالله" في 2006 غير تحالفاته اليوم.
لا يزال كثيرون يقرأون في الكتاب القديم إياه.
نتنياهو هو الذي يريد للميدان أن يتكلّم ويفاوض، والنتيجة لا تحتاج إلى الكثير من الفطنة لتوقّعها.
السياق الزمنيّ وما حدث وكيف بدأ وكيف تطوّر أساسيّ للفهم، إلغاء السياق والحديث عن اللحظة هو الوهم في ذاته.
وطبعاً، أيّ نقاش في السياق والوقائع والنتائج، لا يرضي الرؤوس الحامية وبائعي الانتصارات بالكيلو على "فيسبوك" وباقي مواقع التواصل، وسيُتّهم من يفتحه، كما هي حال هذا البوست، بالخيانة.
وبدوره، وبمزج بين الفصحى والعاميّة، أشار المهندس نزار مرتضى إلى بعض خلفيّات "السياسة" التي يتّبعها "حزبالله": "رفض التفاوض مش دايماً موقف وطنيّ، أحياناً هو انعكاس لعدم الاعتراف بلبنان كدولة، والتعامل معه ككيان ضعيف يُستباح لخدمة مشاريع ضيّقة ومصالح خاصّة.
لبنان أصلاً مش داخل بحساباتهم، هو بالنسبة إلهم مجرّد ساحة، مش دولة، كيان قاصر يُستعمل عند الحاجة، ويُستباح عند اللزوم كتفصيل صغير ضمن دفتر الارتزاق اليوميّ أو الشهريّ أو عالقطعة".
أصوات النقد والمراجعة والألم هي التي سترتفع وتتعاظم.
(صحيفة الشرق الأوسط)