معركة الاستقلال الثالث
Credits: info3

معركة الاستقلال الثالث

كم مرّة ينبغي على الشعب اللبناني أن يقاتل من أجل تحقيق الاستقلال. لبنان الكبير؛ الذي أُعلن عام 1920 بحدوده الراهنة، لم ينل استقلاله إلاّ عام 1943. وقد تمَّ هذا نتيجة تراكم نضالات سياسيّة وشعبيّة، لكن هذا الاستقلال انتهكه "اتفاق القاهرة" عام 1969، عندما حاصرت "شرعيّات" إقليميّة الشرعيّة الوطنيّة. تعدّدت المرجعيّات، واستُبيح البلد، وتسبّبت الثورة الفلسطينيّة في اجتياحَيْ 1978 و1982، وتحكّم نظام الأسد البائد: الأب والابن، في المصير، عندما وصف "الوجود السوريّ بأنّه ضروريّ وموقّت"، فاستمرّ 29 سنة (1976 - 2005)، لكن "انتفاضة الاستقلال" أخرجت آخر جنديّ سوريّ في أبريل (نيسان) 2005. أهدر غدر المتسلّطين على الانتفاضة التاريخيّة الاستقلال الثاني، الذي سُمّي "استقلال 05"، عندما تحالفوا وتساكنوا مع السلاح اللاشرعيّ. كما تساكنوا سابقاً مع الاحتلال.

بعد كارثة "الاتفاق الرباعيّ"، بدأت الوصاية الإيرانيّة من خلال ذراعها العسكريّة والأمنيّة "حزبالله"، وقضت مصلحة إيران وأهداف تمدّد نظامها من قزوين إلى المتوسّط، بأخذ لبنان قسراً إلى 3 حروب مدمّرة: حرب 2006، ثمّ حربا "الإسنادَين" لغزّة وإيران 2023 و2026، من دون أن ننسى الحرب على الشعب السوريّ بدءاً من 2012. تهاوت الشعارات، وثبت زيف السرديّات... وحساب النتائج مروّع: إبادة بشريّة مع نحو 30 ألف قتيل خلال 20 سنة، ممّا غيّر هرم الأعمار في بلدات جبل عامل، إلى تجريف عشرات البلدات وإزالة معالمها، وتهجير من يزيدون على مليون و200 ألف مواطن، وخسائر ماديّة فلكيّة.

في هذه الحروب لم يكن من دور للشرعيّة الوطنيّة، لكن السلطة على هزالها كانت معنيّة بالنتائج. بعد نكبة حرب الثأر لخامنئي لم يكن بيد السلطة الجديدة سوى الذهاب إلى مفاوضات مباشرة حماية للأرواح، ولمنع تفاقم الهزيمة، مع جاهزيّة لإعلان الخروج من حال الحرب، خصوصاً أنّ لبنان الرسميّ منذ "اتفاق الهدنة" عام 1949 لم يكن في أيّ يوم الجهة التي أعلنت حرباً على إسرائيل. ونجحت مفاوضات واشنطن بتأكيد استقلاليّة المسار اللبنانيّ، فكان "الاتفاق الإطاريّ" لبدء مفاوضات شاقة تضع آليّة لاستعادة الدولة سيادتها على كامل أراضيها على قاعدة إجلاء الاحتلال باستعادة لبنان جنوبه، وتحرير الأسرى، وعودة المهجرين. ليتضمّن "الاتفاق الإطاريّ" نقطة قوّة، هي جعل خيار "الاستقلال الثالث" ماثلاً.

لـ"الاتفاق الإطاريّ" أهميّة تتجاوز بنوده التفصيليّة، لأنّه في جوهره يضع البلد أمام مسار سلام، لا هدنة، إنّه نقيض ما سبقه: "اتفاق الهدنة" أوقف الأعمال القتاليّة، و"القرار 1559" تناول إخراج الجيش السوريّ وغاب عنه السلاح اللاشرعيّ، والـ"1701" هدنة ووقف أعمال عدائيّة بين متقاتلين والدولة شاهد زور، حتّى إنّ "اتفاق وقف الأعمال العدائيّة" في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 قال الشيء ونقيضه: حصر السلاح في يدّ الدولة، ومنح الذراع المحليّة لـ"فيلق القدس" حقّ الدفاع عن النفس، كما حقّ التدخّل للعدوّ الإسرائيليّ!

منحى "الاتفاق الإطاريّ" أخرج الممانعين عن طورهم بربطه نزع السلاح اللاشرعيّ، وهو إقليميّ بامتياز، بالتحرير. فسعت طهران انطلاقاً من "مذكرة التفاهم" إلى محاولة تثبيت وقف الأعمال العدائيّة بين إسرائيل و"حزبالله"، من دون أن تجعل من نزع السلاح شرطاً للتنفيذ (...)، ممّا يعني أنّ الهدف وقف المواجهات مع بقاء البنية العسكريّة لـ"الحزب"، فيعود لبنان؛ وإنْ بعد حين، إلى زمن تناسل الحروب. في المقابل، عنى فصل المسار اللبنانيّ عن الاشتباك الإقليميّ، قلب معادلة "إسلام آباد"، بالتشديد على إدراج نزع السلاح، الذي بات استمراره مبرّراً لبقاء الاحتلال، في مبدأ احتكار الدولة العنف فيستعيد لبنان قرار الحرب والسلم.

تريد طهران الحفاظ على المتبقّي من استثمارها في ذراعها اللبنانيّة، ممّا يعني انتقاص الشرعيّة وتخثّر استعادة الدولة ومرجعيّتها. فيما يفضي مسار واشنطن إلى ربط استقرار وأمان اللبنانيين بنزع السلاح وتفكيك بنى الدويلة: العسكريّة والاقتصاديّة والماليّة والإداريّة، ممّا يحول دون إعادة إنتاج أيّ مرجعيّة موازية. والتحرير من احتلال إسرائيل ومن السلاح اللاشرعيّ يعني حتماً طيّ صفحة "الحرس الثوريّ" في لبنان، فيكتمل الاستقلال الثالث. هنا، ينبغي عدم التغاضي عن أنّ "الحرس" يعمل على الأرض اللبنانيّة. كان رئيس الحكومة اللبنانيّة نوّاف سلام، مصيباً عندما اتّهمه بقيادة العمليات العسكرية باسم ذراعه اللبنانيّة التي تمّ حظر أنشطتها العسكريّة والأمنيّة. وعندما هدّدت طهران "مذكّرة التفاهم" لتحييد الضاحيّة، إنّما أرادت حماية تمركز "الحرس" هناك. ولافت أنّ الرئيس اللبناني جوزف عون قال في ردّه على وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي: "لبنان بلدنا وليس بلد الحرس الثوريّ".!

سقطت محاولات قيام جبهة ضد "الاتفاق الإطاريّ"، وإن استمرّت تحفّظات وانتقادات جهات بعينها، ولبنان اليوم على أوّل الطريق، لا يملك إلاّ نجاح "المناطق التجريبيّة" ومحادثات شاقة وطويلة، لتحقيق سلام مستدام بعد أكثر من 57 سنة على استباحة البلد؛ بدأت مع "اتفاق القاهرة". وتدرك أوسع الأوساط اللبنانيّة أنّ البديل هو العودة إلى تناسل الحروب والموت والدمار، ورسالة بأنّه ممنوع إنقاذ لبنان وقيام الدولة المرجعيّة للبنانيّين، وأنّ المنع يطول إنجاز الاستقلال الثالث.

(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3