"التخوّف" من السيّئ أوصل لبنان إلى الأسوأ
وصل العهد الجديد برمزه الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام، بأجندة مغايرة لكلّ ما عرفه لبنان منذ ربع قرن ونيّف. انتهى زمن الثلاثيّة الكارثيّة: "شعب وجيش ومقاومة"، ورسمت الهزيمة المروّعة، التي نجمت عن زجّ النظام الإيرانيّ، عبر وكيله المحليّ، لبنان قسراً في حرب "إسناد" غزة، معالمَ هذه الأجندة، التي تفضي إلى احتكار السلطة الشرعيّة "العنف"، فتستعيد مكانتها بصفتها مرجعيّة وحيدة، وتستعاد معها الدولة القادرة على حماية أبنائها وأرضها.
حمل "اتفاق وقف الأعمال العدائيّة" بين العدوّ الإسرائيليّ و"حزبالله" في مقدّمته معالم هذه الأجندة، التي تقوم على نزع السلاح اللاشرعي من كلّ لبنان، وحصره في 6 جهات شرعيّة، هي: الجيش، والأمن الداخليّ، والأمن العام، وأمن الدولة، والجمارك، والشرطة البلديّة. وللتاريخ، فإنّ خطاب القسم حمل هذا العنوان الذي تكرّس في البيان الوزاريّ للحكومة، وعلى أساسه نالت الثقة، حتّى من "الثنائيّ الشيعيّ" الممثَّل في الحكومة وفي البرلمان.
غنيّ عن الإشارة أنّ رئيس البرلمان نبيه برّي، كان جهة التفاوض ووافقه على ذلك نعيم قاسم.
قالت الرئاسة اللبنانيّة إنّ عام 2025 هو عام التخلّص من السلاح اللاشرعيّ، وإنهاء زمن جعل لبنان ساحة مستباحة في خدمة مصالح الآخرين، لكن تطوّر الأحداث حمل مبالغات لجهة التخويف من الحرب الأهليّة، مع تنكّر "حزبالله" للاتفاق ورفضه تسليم سلاحه للجيش وتهديده بالفتنة، وتتالت روايات عن ترميم قدراته و"رتق" الخروق الإسرائيليّة في صفوفه. كما الاستعداد للمواجهة مع إسرائيل "في الوقت المناسب".
رغم أنّ لبنان لا يملك ترف الوقت مع الاقتلاع الإجراميّ لمئات ألوف الجنوبيّين، وتحويل العمران رماداً، وتهديد إسرائيل بإقامة حزام أمنيّ يضمن لها ما تسمّيه "دفاعاً متقدّماً"، فإنّ السلطة، رغم قرارها التاريخي يوم 5 أغسطس (آب) 2025 حصر السلاح في يدّ الدولة، تأخّرت عن استخدام قوّة الشرعيّة في وجه القوى اللاشرعية، وقوى التدخل الخارجي، وتأخرت في اكتشاف تدفّق أعداد من "الحرس الثوريّ" إلى لبنان، بعدما كانت حكومة نجيب ميقاتي قد أباحت للإيرانيّين الدخول من دون حاجة إلى تأشيرة مسبقة. وتلكّأت في تنفيذ قراراتها في شأن نزع السلاح، تنفيذاً لـ"الطائف" والدستور والبيان الوزاريّ؛ لأنّه ما من دولة طبيعيّة ترتضي بقوّة عسكريّة رديفة، علماً بأنّ "حزب الله" جزء أصيل من المنظومة العسكريّة والأمنيّة الإيرانيّة، ممّا يعني أنّ وجودها يشكّل اعتداء موصوفاً على الدولة اللبنانيّة، وفق توصيف الوزير الراحل محمّد شطح.
طيلة أشهر، راح الفصيل المهزوم يخوّف السلطة من سحب سلاحه، ولبعض الوقت تقدّمت حالة رعب من فكرة استخدام قوّة الشرعيّة وسلاحها. كان هناك كثير من التخويف من السيّئ، فوصلت البلاد إلى الأسوأ، عندما أخذ "الحرس الثوريّ" لبنان في 2 مارس (آذار) الماضي إلى حرب "إسناد" إيران... فكانت قرارات حظر العمل العسكريّ والأمنيّ لـ"حزبالله"، وقرارات إبعاد المستشارين الإيرانيّين، وتبيّن أنّ بينهم من يملكون جوازات سفر لبنانيّة مزوّرة. وبعد "الأربعاء الأسود" 8 أبريل (نيسان) 2026، كانت قرارات جعل بيروت مدينة آمنة خالية من السلاح اللاشرعيّ، وكان من المفترض أنّ "بيروت منزوعة السلاح" الورقة الأهمّ بيدّ المفاوض اللبنانيّ، بعدما أطلق الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، المفاوضات اللبنانيّة - الإسرائيليّة بشراكة أميركيّة... لكنّ التردّد في التنفيذ تقدّم ما عداه.
بعيداً من حملات التخوين والتجنّي، فإنّ المفاوضات، رغم النكبة التي أُنزلت بلبنان وبالجنوب خصوصاً، حقّقت تحييد بيروت والبنى التحتيّة والضاحية. وصار جليّاً أنّ "البيان الثلاثيّ"، بما أنّه ترجمة صعبة لـ"نكبة الإسنادين"، التي ينكرها "حزب السلاح الإيرانيّ" ولا يعترف بها، هو أفضل الممكن مع تضمنّه تأييداً أميركيّاً لوحدة أراضي لبنان، ممّا سيحاصر ويُسقط أهداف إسرائيل في بقاء الاحتلال، في حين أنّ الذهاب إلى "مناطق تجريبيّة"، تتوسّع تباعاً، ينسحب منها العدو الإسرائيليّ فيتسلّمها الجيش و"ينظّفها" من السلاح والبنى التحتيّة لـ"الفيلق اللبنانيّ"، رَفَضَه "الحرس الثوريّ"، وتلاه نعيم قاسم الذي "عرّب البيان الفارسيّ"، والرفض هو لعودة الدولة إلى ممارسة سلطة عامّة فتستعيد دورها ومسؤوليّتها بصفتها مرجعيّة حصريّة للقرارين الأمنيّ والسياديّ.
كان رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، في أزمة، فجاءت النجدة من نعيم قاسم برفض وقف النار، ليمنح إسرائيل مبرّرات مواصلة نهجها الاقتلاعيّ والتدميريّ، ومدّ الخطّ الأصفر نحو غرب البقاع، وبدء مخطّط الإطباق على مدينتيّ النبطيّة وصور، بعدما وجّهتا نداء لجعل المدينتين مفتوحتين وحصر السلاح في يدّ الدولة، في أوضح رفض من النخب الشيعيّة لترّهات "حزب السلاح الإيرانيّ"، وإدانة ادعاءاته في "المقاومة"، فيما يُبيد العدو الإسرائيليّ الأرض والبشر، ويطول التجريف كلّ العمران لقطع صلة الناس بأرضهم ومكانهم.
يريد "حزبالله"، وكالة عن مشغّليه، نجاح مسار إسلام آباد في إعلان وقف للنار، أيّ الوصول إلى صفقة تؤبّد السلاح اللاشرعيّ، ليبقى لبنان بين مطرقة وسندان: احتلال إسرائيلي للأرض، ومصادرة إيرانيّة للقرار. إنّه نهج يجمع قوى متضرّرة من قيام مشروع الدولة الوطنيّة، فيراهنون على "الحرس الثوريّ" لقطع طريق لبنان إلى مستقبل آمن، وسيادة مكتملة، وإنهاء الاستباحة وزمن الإفلات من العقاب... لكن أيّاً كانت العقبات، وهي حقيقية وجديّة، فإنّ "الزمن الأوّل تحوّل".
(صحيفة الشرق الأوسط)