خريطة طريق لإنقاذ الجنوب ولبنان!
سئل حسن نصر الله في مقابلته المتلفزة الأولى بعد حرب يوليو (تمّوز) 2006 أنّه "لو عاد بك الزمان ستكرّر ما حدث في خلّة وردة؟" فأجاب: "قطعاً لا. لم تكن لدينا الحسابات أنّ عدوّنا سيدخل في حرب من أجل جنديّين". وكان نصر الله الذي هاله دمار تلك الحرب أطلق عبارته الشهيرة: "لو كنت أعلم؟".
لم يكن نقد نصر الله لهذه الممارسة أكثر من ذر للرمّاد في العيون. الروايات عن امتلاكه استقلاليّة في القرار عن "الحرس الثوريّ"، تبخّرت ليلة 8 أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023، مع الانصياع لإملاءات إسماعيل قاآني، فتمّ زج لبنان قسراً في حرب "إسناد" غزّة، التي ارتدت خسائر كبيرة بشراً وعمراناً وتهجيراً جماعيّاً، وأُخضع لبنان، وبخاصّة جنوبه، لأبشع عقاب جماعيّ. أمّا هزيمة "حزبالله" فماثلت الإبادة: كارثة "البيجر"، وشطب "مجلس الجهاد" وقادة الصفّين الأوّل والثاني ومقتل نصر الله وخليفته هاشم صفيّ الدين... فكان طلب وقف النار أيّاً كان الثمن، ليفرض العدوّ الإسرائيليّ "حقّ" استباحة لبنان لـ"الدفاع عن النفس ضدّ هجمات مخطّطة أو وشيكة".!
لذلك، انعدمت المفاجأة في زجّ لبنان في "الإسناد" الثاني لإيران هذه المرّة والثأر للمرشد علي الخامنئي، ولو أنّه صحيح أنّ "حزب السلاح الإيرانيّ" أراد استغلال الحرب الأميركيّة - الإسرائيليّة على إيران لتعديل الشروط المشينة لاتفاق 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، كان المطلوب منه التوقّف عند الهوّة السحيقة بموازين القوى للتراجع والوقوف خلف السلطة، ما كان قد يحدّ من الأهوال التي يتعرّض لها جبل عامل، الذي يتواصل محو عمرانه بعد فرض إخلائه من البشر، وقد تلقّى صور والنبطية مصير بنت جبيل.
خلال "إسناد" غزّة، حذّر المبعوث الأميركيّ آموس هوكشتاين رئيس البرلمان اللبنانيّ نبيه برّي من أبعاد كارثيّة قد تفضي إلى احتلال خطير، وأنّ الانسحاب إلى شمال الليطاني يبعد الخطر. المؤكّد أنّ توصيات مركز "ألما" الإسرائيليّ التي طوّرت "عقيدة الضاحية" كانت معروفة، وقد حملت دعوة إلى "كي الوعي الشيعيّ" عادة أنّ الرد على أوهام اجتياح الجليل يكون بمحو القرى والمدن مثل بنت جبيل وصور والنبطيّة، ومنع إعادة تكوين "البيئة" التي تسمح بعودة الخطر، لكنّ المطمئنين إلى قدرات "مدن الأنفاق" التي أقامتها إيران، استخفّوا بالتحذيرات، فنقل برّي إلى هوكشتاين جواباً مفاده أنّه "أسهل نقل الليطاني إلى الحدود من انسحاب حزبالله إلى شماله"! ولم يبادر بري لتاريخه بأيّ خطوة كان يمكن لها تفادي تقديم جبل عامل ولبنان لقمة سائغة لإسرائيل خدمة لإيران.
صار واضحاً أنه في خلفيّة القرارات الحكومية بحظر العمل العسكريّ والأمنيّ لـ"حزبالله" قناعة بأنّ هذه التركيبة التي يقودها "الحرس الثوريّ"، تعكس إصرار طهران على استثمار توظيفها بإحياء "وحدة الساحات"، حماية لمصالحها، في استخفاف بإبعاد التحوّلات الهائلة بعد كارثة "طوفان الأقصى": دمار غزّة وإعادة احتلالها واقتلاع الجنوبيّين وقيام سوريا الجديدة ... وصار واضحاً أكثر أنّ هذا التنظيم العسكريّ الأمنيّ "جزء من الجمهوريّة الإسلاميّة هو اعتداء على الدولة اللبنانيّة"، كما كان يؤكّد الوزير محمّد شطح المتّهم "حزبالله" باغتياله!
أن يؤخذ لبنان خلال 20 سنة إلى 3 حروب مدمّرة خدمة لإيران، أمر يتطلب الفضح والإدانة والاستعداد لمحاسبة المرتكبين، والممرّ إلى ذلك يفترض تظهيراً للغضب الشيعيّ، ورفع الصوت ينبغي أن يعكس حجم الوجع. محوريّ هنا دور النخب الشيعيّة، لأنّه قاطرة دعم منحى وقف الهزيمة عند الحدود التي بلغتها ممّا يتيح للبنان التقاط الأنفاس لرسم سياق آخر لليوم التالي... هنا، تبرز بالضبط أهميّة النداء - الاستغاثة، لنخب من صور والنبطيّة، الطالع من قلب الوجع، فأعلن سقوط القناع ورفض الانتحار وتمسك بالحق بالعيش الطبيعي. النداء الثنائيّ مع مئات التواقيع من فعاليّات طالبت بجعل المدينتين: صور والنبطيّة مدينتين مفتوحتين خاليتين من السلاح تحت حراسة الجيش والقوى الشرعيّة، يرقى لمستوى النداء التاريخيّ، لأنّه الأوّل من نوعه منذ أكثر من 41 سنة (تاريخ تأسيس حزبالله عام 1985)، يدين "حزبالله" ويرفض "المقاومة"، وقد باتت مقاولة، ويطالبها بمغادرة المدينتين. إنّه بمعنى ما، التمرّد الأوّل على سطوة "حزبالله" على الإجماع الشيعيّ، ورفض لتلك الروايات التي حملت زوراً شعارات من نوع "نحمي ونبني"، في حين الواقع تمثل بمصادرة القرى والمدن وأهلها وجعلهم دروعاً خدمة لإيران.
النداء الثنائي بداية خريطة طريق لتحرير الجنوب وإنقاذ لبنان، ينبغي أن تستكمل وطنياً، بعدما رسم النداء الثنائيّ السياق المفترض لبدء مسار فضح الإجرام والارتهان وتوفير مناخ حقيقيّ لمساءلة جديّة، لـ"حزب إيران في لبنان" وأعوانه. إنّه المنحى المنتظر لفضح وكسر تحالفات "حزبالله" العميقة مع منظومة الفساد قاطبة، لأنّها غطّت تغوّله وإمساكه بمفاتيح القرار، ممّا عطّل تنفيذ قرارات حكوميّة تاريخيّة بنزع السلاح اللاشرعيّ. واكتمال هذا المنحى يتطلّب بلورة سريعة لشبكة حماية وطنيّة تشمل الموجوعين، وهم أكثريّة اللبنانيّين المدعوّين إلى النهوض بأعباء هذا التحدّي الإنقاذيّ، بعدما بات الوجود الوطنيّ محاصراً بالخطر... وبقدر ما يمكن أن يتبلور هذا المنحى، يمكن أن تقصّر جلجلة البلد، وليس الطائفة الشيعيّة وحدها، التي أنزل بها الحزب الأصفر قبل بنيامين نتنياهو أخطر نكبة!
(صحيفة الشرق الأوسط)