زمن أفول غطرسة القوّة اللاشرعيّة!
كان ياسر عرفات يعلن أنّه سيقبل بتحرير، ولو شبراً من أرض فلسطين، عندما أطلّ حسن نصر الله لـ"يسأل" أما من خالد إسلامبولي فلسطينيّ؟ والإسلامبوليّ هو الإرهابيّ الذي قتل الرئيس أنور السادات فـ"كرَّمه" نظام الملالي بإطلاق اسمه على أحد شوارع طهران.
حتّم استعادة هذه الواقعة بروز حالة هستيريا حملت أبشع مفردات لغة التخوين والتهديد بالاغتيال لكبار المسؤولين في لبنان، وممّن؟ من بعض مسؤولي "حزبالله"، التنظيم العسكريّ الأمنيّ الذي أنشأته إيران منتصف ثمانينات القرن الماضي، ليكون إحدى أذرعها الخارجيّة للدفاع عن النظام الإيرانيّ ومصالحه.
عندما زجّت إيران تنظيمها اللبنانيّ في حرب إسنادها وثأراً للخامنئي، حوّل "الحزب" الميدان ورقة إيرانيّة خالصة، فانعدمت كلّ استقلاليّته خارج استراتيجيّة مشغّليه في طهران. توازياً، ذهبت الحكومة اللبنانيّة، التي نفت علاقتها بهذه الحرب، إلى تأكيد عدم تعاميها عن تداعياتها، لأنّه منذ لحظة بدء الحرب الإيرانيّة - الإسرائيليّة في لبنان بدأت تطلّ ملامح النكبة الآتية. وضعت السلطة بيانها الوزاريّ في التطبيق، مؤكّدة أنّ استعادة الأرض تكون برفض المنحى الانتحاريّ وبإطلاق مبادرات سياسيّة ديبلوماسيّة، وبحث عن تحالفات إقليميّة ودوليّة، لأنّه مع الخلل الفادح بموازين القوى متعذّر حماية الحقوق، بمنطق حرب مفتوحة قرّرتها جهة خارجيّة خدمةً لمآربها. فكانت المبادرة الرئاسيّة للتفاوض المباشر مع العدوّ، لأنّ الكارثة هي في عودة الاحتلال، وليست بالتفاوض، فبرز موقف شجاع تمسّك بوقف النار والدفاع عن مبادرة التفاوض، بإعلان الرئيس عون: "مستعدّ للذهاب حيثما كان لتحرير أرضي وإنقاذ شعبي وبلدي".
فانفلش الجنون، كما الإنكار، وكلاهما يعبّر عن مرحلة متقدّمة من ثقافة تمجيد الموت، وقد جعلها "حزبالله" معياراً متقدّماً على حماية الأرواح والأرض. يعلن نوّاف الموسوي: "لن يكون بعد الآن رئيساً مقبولاً... فهو ليس أهمّ من أنور السادات"! ويتوعد النائب حسن فضل الله: "من يريد أن يكون أنطوان لحد (قائد "جيش لبنان الجنوبيّ" المرتبط بإسرائيل خلال فترة الاحتلال السابق)، سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيليّ"! ويبلغ الإنكار والانفصال عن الواقع ذروتهما مع الشيخ نعيم قاسم: "الميدان صاحب الكلمة الفصل، والسياسة الناجحة هي التي تستفيد من نتائجه كمصدر قوّة لإرغام العدوّ على الإذعان"! لقد فاته أنّ العدو الذي كان قبل 2 مارس (آذار) يحتلّ 5 تلال، بات يحتلّ اليوم 55 بلدة بمساحة 500 كلم مربّع مُسحت عن الخريطة، وتمّ اقتلاع سكّانها الـ300 ألف، لكن محمود قماطي لا يقبل من الدولة أقلّ من الاعتذار أو إطاحتها!
واضح أنّ "حزبالله" يعمل لتثبيت ثقافة أحدثت زلزالاً في الوعي الشيعيّ شبه جماعيّ، نهج ينكر الوقائع وقيمة الحياة البشريّة ودور الفرد، فتصبح الإبادة وركام البلدات المهدّمة خسائر جانبيّة، متواضعة حيال "عظمة" مشروع "الولاية"، فيعدّ محمّد رعد "التباكي على الخسائر والضحايا والدمار... عزفاً وتحريضاً مجانيّاً ورقصاً على جراح الشرفاء وتوظيفاً لئيماً لجرائم العدوّ!".
أتى خطاب رئيس الجمهوريّة جوزيف عون، وهو "قسم رقم 2"، ليفكّك سرديّة الإنكار وتمجيد الموت واستسهال التخوين بتأكيده على حقّ المواطنين في الأمان والاستقرار لإطلاق طاقات البلد الإبداعيّة، ورفضه جعل حياة الناس وقوداً لصراعات مفتوحة، فيشجب القبول بـ"أن تكون حياة اللبنانيّين أضاحي للخارج"، ويرفض "الموت الدوريّ والمجاني بذرائع قضايا خارجيّة".
نعم، قضت مصالح إيران بزجّ لبنان في 3 حروب مدمّرة خلال عقدين من الزمن: حرب يونيو (تمّوز) 2006 التي أدارها سليماني، وحرب إسناد غزة التي قررها قاآني، وحرب إسناد إيران ثأراً للخامنئي، فحملت موتاً دوريّاً ومجانيّاً للبنانيّين قُتل فيها نحو 15 ألفاً وجُرح نحو 40 ألفاً، وطال الدمار مئات ألوف البيوت، وتهجير قسري لمليونيّ بشري، يهدّد بتغيير ديموغرافيّ. لقد أتاحت إيران للعدوّ الإسرائيليّ، أن يُصاب لبنان بأضخم كارثة وأنزلت نكبة بالطائفة الشيعيّة تعادل النكبة الفلسطينيّة عام 1948. والخطير، أنّه وفق ثقافة تمجيد الموت إيّاها، ممنوع التطرّق إلى نتائج هذه الحروب التي تجاوزت قدرة المجتمع على الاحتمال والمسؤوليّة عن التكلفة الباهظة: إن بعدد القتلى أو بتحويل عمران لبنان إلى ركام إلى التبسيط في قضيّة الأرض التي أعيد احتلالها!
دولة واحدة لها الولاء، ودستور واحد، وقوى مسلّحة واحدة تحمي لبنان واللبنانيّين هي عناوين مترابطة، أكّد عليها الخطاب الرئاسيّ، ويبقى في هذا التوقيت بيروت آمنة خالية من السلاح مدخلاً لتحقيق هدف استعادة الحضور الحقيقيّ. فقرار نزع الشرعيّة عن السلاح اللاشرعيّ تاريخيّ ومحوريّ، وكبير الأهميّة رفض ترهّات دعوات التكامل بين القوى النظاميّة وأيّ تنظيم مسلح، وبين الأولويّات تفكيك اللغة، فالميليشيا التي تتحرّك وفق ريموت كونترول إيرانيّ لم تعد مقاومة. وفي منحى بسط السيادة، هناك ضرورة لتكريس المعنى الحقيقيّ للدولة، معنى استعادة القيم الحقيقيّة للجمهوريّة التي تحمي كرامات الناس وتصون حقوقهم. وبقدر ما تتعمّق الإحاطة بالفئات الأكثر وجعاً نتيجة الحرب الظالمة والإجراميّة، يتمّ إنقاذ الناس من براثن الميليشيا المسلّحة والتي أوقعها صلفها في عزلة خانقة... وبالقدر نفسه، آن أوان بروز الدور الإنقاذيّ للنخب الشيعيّة، إذّاك سيصدأ السلاح المتبقي ويدخل لبنان من أوسع الأبواب زمن أفول غطرسة القوّة اللاشرعيّة!
(صحيفة الشرق الأوسط)