لبنان ضحيّة عدوان مزدوج
لا أحد يعرف كل مآلات حرب إيران التي دخلت شهرها الثاني، خصوصاً مع القول بتدخّل برّي.
في المقابل، لا نهاية قريبة للحرب الإسرائيليّة على لبنان. صحيح أنّ طهران بدأتها بقرار ألزمت به وكيلها: "حزبالله" مهمّة "إسناد" نظامها، وتدفيع اللبنانيّين الفاتورة... لكن الرعونة في هذا القرار فات على مرتكبيها أنّ نتنياهو كان ينتظر الفرصة لـ"إكمال المهمّة"، فمنحه "حزبالله" التوقيت، لكي يخوض في لبنان انتخاباته: يُبيد الحياة ويقتلع البشر والحجر فيهجر أكثر من مليون مواطن ويقدّم نفسه رجل الأمن للناخب الإسرائيليّ!
وبينما تعلن طهران بلسان وكيلها أنّ "الكلمة للميدان"، يستعيد الناس ذكريات مُرة من التاريخ القريب، وهم يتابعون الترهات الجارية، ورفض تسليم السلاح للدولة. والسؤال: لمن "الميدان" ولمن الكلمة؟ كان لبنان يرزح تحت وطأة احتلال 5 نقاط فأصبحت 20 واستحالت رؤوسَ جسور. ويجاهر العدوّ بمخطّط إقامة حزام أمنيّ بعمق 8 كلم وبطول يفوق الـ124 كلم، أيّ احتلال 10 في المائة من البلد. وإن أخذنا في الاعتبار أنّه إلى تطويق مدينة صور، تتوالى الأخبار الإسرائيليّة عن توغّل لن يتأخّر لاختراق الليطاني واحتلال قلعة شقيف أرنون شماله. وهي حصن يُمَكِّن الإسرائيليّين من إمساك مجرى النهر والهيمنة بالنار على منطقة النبطيّة التي طالها التدمير والتهجير شبه الجماعيّ، لتلامس السيطرة نسبة 15 في المائة من الأرض فيما بقيّة لبنان تحت الاستباحة!
تدرك طهران ووكيلها أنّهم أضعفوا لبنان فبات أشبه بـ"بيت عنكبوت"، ويعرف النظام الإيرانيّ ووكيله حقيقة لا تقبل الجدل: اللبنانيّون، رغم جهود السلطة لاحتضان أبنائها، متروكون لمصيرهم. ولا يُقلِق حكام طهران ووكيلها وقوف أكثريّة ساحقة من اللبنانيّين ضد حرب مفروضة تهدّد الوجود والكيان. ولا يرف لهم جفن أمام تكرار سيناريو غزّة، التي أُبيدت فبات 53 في المائة من مساحتها حزاماً أمنيّاً، وتمّ حشر ناسها في الخيم، وهي اليوم قضيّة منسية مؤجلة أمام ويلات حرب إيران وتداعياتها على الإقليم والعالم. بالتأكيد، لا تُطلق الصواريخ، التي يكلّف كلّ منها 10 آلاف نازح، وفق توصيف رئيس الحكومة نوّاف سلام، بوهم القدرة على وقف الاحتلال وتحرير الأرض التي كانت محرّرة حتى مصيبة حرب "إسناد" غزّة. ولا وقت لدى "حزبالله" ومُشغِّله للإنصات إلى المبادرة الرئاسيّة لوقف الحرب وبدء التفاوض لوقف الهزيمة عند الحدود التي بلغتها. فما يجري ينبغي أن يخدم مصالح دولة الولي الفقيه التي ينتمي إليها الحزب، وعلى اللبنانيّين تحمّل التكلفة!
يحتلّ الإسرائيليّون الآن الأرض، ويوسّعون من نطاق الاحتلال، والعنوان شطب أيّ إمكانيّة مستقبليّة لتكرار "طوفان" السنوار من أيّ بقعة محيطة بالدولة العبريّة. وواقعيّاً، يتمّ وضع رؤية "جابوتنسكي" في التنفيذ بما تقتضيه من أحزمة أمنيّة وأرض محروقة، لفرض ما يلائم مصالح العدوّ من تسويات أمنيّة وسياسيّة. أمّا دولة العدوان الإيرانيّ، من خلال وكيلها وقيادتها المباشرة، التي حدّدت وظيفة لبنان بالدفاع عن الجمهوريّة الإسلاميّة، فهي توجّه رسالة، إلى الأميركيّين خصوصاً، بأنّها تحتلّ القرار في لبنان بما يخدم مصالحها عندما يحين موعد المفاوضات. إنّها وراء التهديد بالحرب الأهليّة وسياسة التخوين لمنع تسليم السلاح اللاشرعيّ، لأنّ له وظيفة أخرى في الداخل يبدأ بحماية حصص "الثنائيّ المذهبيّ" في الحكم بعضها فُرض بقوّة الأمر الواقع، والتحكّم في البلد على طريق الانفراد بالحكم واستكمال الاستتباع كهدف نهائيّ ارتبط بتأسيس "حزبالله"!.
واجب السلطة وحقّ اللبنانيّين المطالبة بوقف النار، ووقف العدوان المزدوج: احتلال الأرض واحتلال القرار. وفي ذلك أولويّة وطنيّة، وهذا ما يفسّر الذهاب إلى مجلس الأمن والمحافل الدوليّة لإدانة العدوان والمطالبة بوقفه، وكي تتاح الإمكانيّة لمعركة سياسيّة ديبلوماسيّة عنوانها الانسحاب الإسرائيليّ. وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى القرارات التاريخيّة للحكومة التي قضت بحظر النشاطات العسكريّة والأمنيّة لـ"حزبالله"، وكذلك إلزام الإيرانيّين بتأشيرة مسبقة، وإعلان رئيس الحكومة قراراً بإجلاء ضباط "الحرس الثوريّ" الذين يقودون العمليات الحربيّة، مضيفاً أنّ اللبنانيّين "ضحايا حرب فرضت علينا، لا هم استشيروا فيها ولا كان لهم قرار الدخول فيها، فهي حرب الآخرين على أرضنا بامتياز".
إنّ ألفباء طريق إنقاذ المتبقّي يتطلّب استبعاد أيّ طرح فئويّ أو استعراضيّ، والالتفاف حول المصالح الوطنيّة التي تعبّر عنها السلطة. في حماية القرارات القاضية بنزع السلاح اللاشرعيّ، والضغط لتفكيك البنى الأمنية والعسكرية والكشفية، مسار إنهاء حالة "مقاولة" شاذّة نفّذت إملاءات مشغّليها بقتل السوريّين واليمنيّين وتفجير لبنان مراراً، ووضعه بقرار من طهران، في مواجهة مفتوحة مع العدوّ، ومنصة ضدّ العرب، وعلى اللبنانيّين الموجوعين تحمل التكلفة.
لقد انتفى زمن كانت فيه المقاومة للمحتلّ هي الخيار الوحيد في غياب الدولة، كما عرف لبنان ذلك في عام 1982. اليوم، استعيدت الدولة، وأيّاً كانت الملاحظات على أداء السلطة، فالأولويّة تفترض وضع حدّ لزجّ البلد في أتون حرب تقرّرت من الخارج ضاربة بالمصالح الوطنيّة عرض الحائط، ولا يملك بلد محطّم أيّاً من أدوات التحكّم في مسارها... والقرارات الحكومية ينبغي استكمالها، فما عاد مقبولاً زمن الإفلات من الحساب والعقاب، وفي أيّ حال انطوى إلى غير رجعة، زمن اليوم الأغبر الذي سمّي زوراً بـ"اليوم المجيد"!.
(صحيفة الشرق الأوسط)