توقيت المبادرة للجم الحرب على لبنان!
بكلّ المعايير، لبنان اليوم، شعباً وأرضاً، ضحيّة حرب إيرانيّة - إسرائيليّة مكتملة الأوصاف، ذلك أنّه لا حدود بين لبنانيّ وإيرانيّ في البنية الميليشيوية للتنظيم العسكريّ الأمنيّ: "حزبالله". وبالقدر نفسه، لا مكانة في سياسة هذا الحزب لقيام دولة وطنيّة في لبنان تعبّر عن مصالح مواطنيها وتصون الأرض. حرب الثأر للراحل خامنئي، التي أعلنت بقرار من طهران، كشفت في أيّامها الأولى اتّساع الدور الميدانيّ لـ"الحرس الثوريّ"، ما أملى على مجلس الوزراء قرارات الترحيل وإعادة فرض تأشيرة مسبقة للإيرانيّين، بعدما كانت حكومة نجيب ميقاتي أباحت دخولاً حراً لهؤلاء منذ عام 2011.
مع إطلاق الصواريخ التي أصابت صدور اللبنانيّين ولم تلحق الأذى بالإسرائيليّين، اصطاد الإسرائيليون الجنرال داود زادة القائم بأعمال "فيلق القدس"، الشخصيّة التي قادت إعادة بناء قدرات "حزبالله" والتنسيق العمليّاتي مع "الحرس الثوريّ". كما كانت إسرائيل قد اصطادت قبل شهرين هيثم الطبطبائي رئيس أركان هذه الميليشيا. وقبل نحو أسبوع، أجلت طائرة روسيّة 117 إيرانيّاً، من ضمنهم جثث 5 ضباط إيرانيّين. بعدها قُتِل 4 من كبار ضباط "فيلق القدس" في فندق في بيروت، وسبق ذلك استهداف مسؤول إيرانيّ في فندق في الحازميّة شرق العاصمة... وهذا بعض ما عُلم!
هذه الوقائع المذهلة ما كان لها أن تحجب كيفية ولادة "حزبالله" على يد آية الله علي أكبر محتشمي، السفير الإيراني لدى سوريا، ولاحقاً وزير الداخليّة. ففي 3 سبتمبر (أيلول) 1983، احتلّ مسلحون يرفعون رايات وشعارات دينيّة، ثكنة الشيخ عبد الله في بعلبك وطردوا قوّة الجيش الموجودة هناك. وبيّنت الأحداث أن حافظ الأسد رئيس النظام السوريّ آنذاك سمح لـ"الحرس الثوريّ" بإدخال 800 عنصر من العقائديّين والعسكريّين، وأتبعهم بـ700، شكّلوا قوّة التأسيس، التي ضمّت أعداداً من: "الشباب المؤمن"، و"الطلبة المسلمين"، و"عناصر عسكريّة ناشطة في منظمة التحرير" بقيادة عماد مغنيّة، و"أمل الإسلاميّة" بقيادة حسين الموسوي.
مع العون الماليّ المفتوح من النظام الإيرانيّ و"التحالف" السياسيّ والأمنيّ مع النظام السوريّ السابق، تمّ في خريف عام 1984 تأسيس تنظيم "حزبالله - الثورة الإسلاميّة في لبنان". وفي 16 شباط (فبراير) 1985، تمّ الإعلان الرسميّ برسالة "إلى المستضعفين في لبنان والعالم" تلاها إبراهيم أمين السيّد ونصّت على: "إنّنا أبناء أمّة (حزبالله) نعتبر أنفسنا جزءاً من أمّة الإسلام، نلتزم أوامر وقيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط". وبعدها قال إبراهيم أمين السيد في حوار ("النهار" في 5 مارس/آذار1987): "نحن لا نقول إنّنا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران". وحسم الراحل حسن نصر الله في وقت لاحق حجم الارتباط بالنظام الإيرانيّ بقوله: "القيادة والتوجه والتفويض وقرارات الحرب والسلم وغيرها في يدّ الولي الفقيه".
معروفة هذه الوقائع من أطراف منظومة الفساد: ميليشيات حربٍ ومال، تسلّطت على لبنان بعد الحرب الأهليّة. تساكنت مع سلاحه اللاشرعيّ في الحكومات والبرلمان والبلديّات والنقابات، فغطّى حزب السلاح فسادها وتعامت عن تغوّل الدويلة على الدولة وتغلغلها في مفاصل القرار السياسيّ والأمنيّ والقضائيّ، كما في ازدهار الاقتصاد الموازي والشراكة في منهبة العصر بالسطو على جني أعمار الناس وحجب العدالة. ولعل العنصر الأخطر، قبل حرب "إسناد" غزّة، وحرب "إسناد" إيران، كان التعامي عن تحميل لبنان أثقال مشروع الهيمنة الإيرانيّة. لقد استباح "حزبالله"، كأبرز أذرع "فيلق القدس" الحدود، وذهب لقتال الشعب السوريّ دفاعاً عن النظام الأسديّ الديكتاتوريّ وكالة عن إيران، وكان القوّة الضاربة في الاعتداء على ثورة "17 تشرين" التي عرّت منظومة الفساد ورفضت استتباع البلد ورفعت شعار استعادة الدولة المخطوفة وتمسكت بالدستور.
في ضربة البيجر، ثمّ قتل نصر الله بعد أسبوع وتصفية خليفته واصطياد "مجلس الجهاد" والصف الثاني من القادة، كما في حرب الـ66 يوماً، حدّدت طهران سقف العمل العسكريّ لهذه الميليشيا، ومنعت أيّ ردّ بعد اتفاق وقف النار رغم سقوط 500 من نخبة الحزب، لكنّ سلاحاً مغايراً، وإن لم ينجح في تبديل المسار والنهاية، برز لحظة استهداف إيران وقتل المرشد علي خامنئي ومعظم الصف الأول القياديّ. فيعلن الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم: "وجدنا أنّ الوقت للردّ على إسرائيل مناسب بعد مقتل خامنئي... وانخراطنا في المعركة هدفه إضعاف موقف إسرائيل للوصول إلى اتفاقٍ أفضل!".
لبنان اليوم ضحيّة جريمة إبادة مفتوحة، يُدمر ويُهجر وتُحتل أرضه علّ ذلك يُمكن إيران من تحقيق اتفاق أفضل (...)، ثابت حجم التخادم بين طهران وتلّ أبيب: كلتاهما تريد لبنان ساحة مستباحة، دولة مهشّمة ومجتمعاً متشظّياً، مع مفاقمة عناصر الانقسام الطائفيّ، تغذيه سموم قد تأخذه إلى نقطة اللاعودة تستند إلى أخطر تغيير ديمغرافي بتشتيت البيئة الشيعيّة، فيدفع المواطن فاتورة أكبر، ما قد يفرض، على أنقاض البلد، تنازلات غير مسبوقة أمام العدو الإسرائيلي كنتيجة حتميّة لعمليّة "العصف المأكول". إنّ الشرعيّة أمام تحدّي مبادرات شجاعة لتنفيذ قراراتها بنزع السلاح، والكسر مع نهج الأمن بالتراضي، لوقف الانتحار الجماعيّ وحماية الأرواح، لئلا يبقى لبنان مسرحاً لحروب الآخرين، إذّاك سيجد لبنان من يخاطبه!
(صحيفة الشرق الأوسط)