إيران والنَّار وحسن الجوار
Credits: info3

إيران والنَّار وحسن الجوار

لا يمكن اختصار الأزمة الحاليّة بأنّها مجرّد خلاف أميركيّ - إيرانيّ انزلق إلى مواجهة مباشرة في الآونة الأخيرة. ليس صحيحاً أنَّ القصَّةَ برمَّتها هي سوءُ تفاهم مستحكم بين طهرانَ وواشنطن. البعد الأميركي - الإيراني في الأزمة مهمٌّ وخطرٌ وحاسم، لكنَّه ليس البعدَ الوحيد.

إيران، قبل الأزمة الحاليّة وبعدها، دولة كبيرة في الشرق الأوسط، دولة صاحبة تاريخ عريق وموقع يؤهّلها للعب أدوار بارزة، خصوصاً أنَّها تمتلك مؤهّلات اقتصاديّة جديّة. بهذا المعنى، يمكن اعتبار إيران - كما غيرها - قدراً تاريخيّاً وجغرافيّاً لا بدَّ من العيش معه.

من حقّ إيران أن يكون لها دور بارز في هذا الشرق الأوسط المتعدّد، منطقة يفترض أن تتَّسعَ للعرب والأتراك والفرس والأكراد. يُفترض أن تتَّسعَ أيضاً للسنّة والشيعة والمسيحيّين واليهود. في تاريخ المنطقة - كما في تاريخ أوروبا مثلاً - محطات مظلمة وحروب ومظالم، لكنَّ أمراض التاريخ لا تعالح، إلاّ بفنّ التّعلم منها والانتقال من حلم الهيمنة إلى لغة التّعايش.

تحاشى العرب - أو بعضهم على الأقلّ - على مدى سنوات طويلة، الحديث عن "المشكلة الإيرانيّة"، فضّلوا إعطاء الوقت وقته، علَّه يدخل تعديلاً على لغة إيران في مخاطبة جيرانها. ثمّ إنّهم فضّلوا ذلك لإبقاء الضوء مسلّطاً على قناعتهم بأنّ إسرائيل هي السبب الرئيسيّ لزعزعة الاستقرار في المنطقة. لم تتوقّف السلطات الإيرانيّة عند الموقف العربيّ هذا، وتعاملت معه كأنّه مجرّد غطاء لسياسات خفيّة.

والحقيقة أنّ الدول العربيّة حاولت كثيراً إبقاءَ الحوار مع إيران قائماً ومفيداً، رغم تحفُّظِها على سياسات إيرانَ الهجومية في الإقليم، وخصوصاً على المسرح العربيّ. كانَ الرئيس علي عبد الله صالح ينتقد تسليح الحوثيّين وتدريبهم، ويتفادى تسمية إيران لإبقاء باب الحوار معها مفتوحاً. وحتى حين رابطت إيران داخل الأراضي السودانيّة، تفادت السلطات المصريّة مهاجمتها وتعكير العلاقات معها. واتخذت السلطات اللبنانيّة موقفاً مشابهاً، رغم معرفتها بتدفُّقِ ضباط من "الحرس الثوريّ" إلى لبنان، وطبعاً من دون استئذان السلطات الشرعيّة.

ويمكن القول، إنّ دول مجلس التعاون الخليجيّ بذلت - مجتمعة ومنفردة - محاولات متواصلة لإقامة علاقات طبيعيّة مع إيران. والمقصود علاقات تعاون تكون محكومة بمبادئ القانون الدوليّ وقيم حسن الجوار، وكان اتفاق بكين الذي وقعته السعوديّة وإيران خطوة بارزة في هذا السياق.

والواقعُ أنّ دول المنطقة تعاملت بدرجة عالية من المسؤوليّة مع الخلاف الأميركيّ - الإيرانيّ. منذ الساعات الأولى للاشتباك، جاهرت دول التعاون الخليجيّ بموقفها الدَّاعي إلى تغليب لغةِ الحوار وتكريسِ الديبلوماسية ممرّاً وحيداً إلى الحلول. ويمكن القولُ بوضوح: إنّ طهران لم تُحسن تقدير الموقف الخليجيّ، بل اختارت في الردّ على الهجمات الأميركيّة أسلوباً استفزازيّاً وخطراً. اختارت توسيعَ دائرة الحرب، وبذريعة استهداف مواقعَ أميركيّة في عدد من الدول. هكذا برّرت إيران هجماتها على دول مجلس التعاون والأردن.

ويمكن القول: إنّ الدول الخليجيّة، وفي طليعتها السعوديّة، تدخَّلت أكثرَ من مرة لدى إدارة الرئيس دونالد ترمب لمنعِ انزلاقِ الحرب الأميركية - الإيرانية إلى فصولٍ أخطر. اتَّخذت دولُ الخليج هذا الموقفَ العاقلَ والمسؤول، على الرغم من الأضرار التي لحقت بها بفعلِ الهجماتِ الإيرانية بالصواريخ والمُسيَّرات، أو بفعل إغلاق مضيق هرمز، وهو حيوي لدول المنطقة بكل المقاييس. احتفظت دول التعاون الخليجي ببرودة أعصابِها، واكتفت بالتَّصدي للاعتداءات على أراضيها.

تَرافقَ ذلك مع معلوماتٍ تداولتْها الدوائرُ المعنية عن جهودٍ إيرانيةٍ جديدة في تسليح الحوثيين، وعن انتقالِ ضباطٍ من "الحرس الثوريّ" إلى العراق لإدارةِ عمليات "الفصائل الولائيّة". وسرعانَ ما تأكّدت صحة هذه المعلومات عبرَ التَّهديدات التي أطلقَها الحوثيون، وعبرَ الصواريخ والمُسيَّرات التي أُطلقتْ من الأراضي العراقية على أهدافٍ في السعودية ودولٍ خليجية أخرى. وحتى حين اضْطُرَّتْ إلى الرَّد على التنظيمات التي استهدفتها من الأراضي العراقية، لم تغادرِ السعوديةُ موقفَها الداعيَ إلى تغليب الدبلوماسية في السعي إلى حلٍّ يوقف المواجهةَ الأميركية - الإيرانية. وفي هذا السِّياق جاءَ الاتصالُ الأخيرُ بين الرَّئيس ترمب ووليِّ العهدِ السعودي الأمير محمد بن سلمان.

كانتِ المنطقةُ تتأهَّب لأيامٍ صعبة حين أعلنَ ترمب وقفَ «ضربة الاستسلام»، متوقعاً أن تردَّ إيرانُ بإعلان احترامِ حرية الملاحة في مضيق هرمز. لكنَّ التَّجاربَ تقول إنَّ العثورَ على كلامٍ إيرانيٍّ واضحٍ وقاطعٍ مهمةٌ بالغةُ الصعوبة. دائماً تغرقُ الأجوبةُ الإيرانية في الغموض والالتباسات. لا مبالغة في القول إنَّ السلوكَ الإيرانيَّ العدوانيَّ والمتهورَ فتحَ جروحاً جديدة في العلاقات الخليجية - الإيرانية، التي لم تكن تفتقر أصلاً إلى الجروح. من اللغةِ الاستعلائية في التَّخاطب إلى لغةِ التهديد المرفَقة بالرسائل المفخخة، إلى محاولاتِ الوصاية على خياراتِ دول مستقلة، كلُّها عواملُ أحيتِ الحديثَ عن "المشكلة الإيرانيّة".

قد تكونُ إيرانُ تشهد تجاذباً في صناعة القرار بعد ما أصابَ قيادتها السابقة، وهذا يمكن فهمُه؛ لكنَّ السُّلوكَ الإيراني الذي أصابَ منشآتٍ في دول مجلس التعاون أصابَ قبل ذلك ما تسميه إيرانُ حُسنَ الجوار، وهي تسكنه في بياناتها؛ لا في سياساتها وممارساتها.

ليس المطلوبُ ضماداتٍ كلاميةً لجروح حسن الجوار. المطلوبُ مراجعةٌ للسياسات التي أيقظت كلَّ هواجسِ دول الخليج. المطلوبُ مغادرةُ الميلِ إلى الوصاية، ومغادرةُ اللغة الاستعلائية، ومحاورةُ الدّول المجاورة بمفرداتِ القانون الدولي، كي يمكنَ تضميدُ جروحِ مصابٍ اسمُه حُسنُ الجوار.


(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3