مذكّرة سوء التفاهم
Credits: info3

مذكّرة سوء التفاهم

إذا كانت مذكّرة التَّفاهم الأميركيّة - الإيرانيّة تستحقّ التسمية التي أطلقت عليها، لماذا يجري الذي يجري؟ لماذا تعاود أميركا هجماتها التأديبيّة على أهداف في إيران، ردّاً على قيام الأخيرة باستهداف السّفن التي تحاول عبورَ مضيق هرمز؟ ولماذا تعاودُ إيرانُ اعتداءاتِها على دولِ مجلس التَّعاون الخليجي، بمَا في ذلك تلك التي قامت بوساطاتٍ وشجَّعتِ التَّوصلَ إلى تسوياتٍ كما هي حالُ قطر وسلطنةِ عمان؟ وإذا كانت طهرانُ تعتبرُ المذكّرةَ انتصاراً لها فلماذا تغامرُ بإمكان سقوطِها تحت وطأةِ الضربات المتبادلة؟

أطلقَ التَّوقيعُ على مذكّرة التفاهم آمالاً متسرّعة، كانَ هناك من اعتقد أنّ المنطقة نجت من فخّ الانزلاق إلى فصلٍ أشدَّ تدميراً من الذي شهدته. وثمة من تخيَّل أنَّ إيرانَ نجت من مواجهة مفتوحة مع أميركا، وأنَّها ستنصرفُ إلى تأمين شروط الحصولِ على الأموال التي طالَ انتظارُها ويحتاج إليها اقتصادُها المنهك. وهناكَ من بالغَ في التَّوقعات وتساءلَ عن موعدِ توافد الشَّركاتِ الأميركية إلى إيران، لكنَّ تطوّرات اليومين الأخيرين توحي بأنَّ التفاؤلَ في هذا الموضوع يندرج في بابِ التَّسرع، وأنَّ الخلافَ بين واشنطن وطهرانَ أعمقُ وأخطرُ من أن ينهيَه حبرٌ متسرّعٌ نجح في الوصولِ إلى التوقيع بعدمَا تركَ هامشاً واسعاً للغموض والالتباسات.

في بغداد، سمعت كلاماً استوقفني، قال المتحدّث إنّ ظروف الصفقة الكبرى ليست متوافرة، وإنّ النظام الإيرانيّ الحاليّ يخشى تماماً العودة إلى الدولة الطبيعيّة. والمقصود بالدولة الطبيعيّة تلك التي تلتزم قواعدَ القانونِ الدوليّ في التعامل ليس فقط مع مضيق هرمز، بل أيضاً مع جيرانها والعالم بأسره. فالدولةُ الطبيعيةُ لا تخوض حروباً بالواسطة، ولا تنشئ جيوشاً صغيرة داخل أراضي جيرانها.

قالَ المتحدّثُ إنَّ النظامَ الإيرانيَّ نظامٌ وُلد حاملاً مهمّة منصوصاً عليها في دستوره وهي "تصدير الثورة" لتغيير المنطقة والعالم الإسلاميّ. لاحظَ أنَّ انكفاءَ إيران إلى داخل حدودها يجعل الثورة الإيرانيّة في وضعِ من ينتظر ظهورَ رجلٍ يصالحُها مع العصر والعالم على غرارِ ما فعل دينغ هسياو بينغ مع الثورةِ الصينيّة وإرثِ ماو تسي تونغ. أمَّا الخيارُ الآخر فهو انتظارُ ظهورِ ميخائيل غورباتشوف إيران يفتحُ بابَ الانهيار على غرار ما حلَّ بالاتحاد السوفياتي. واعتبر أنَّ المأزقَ هو أنَّ إيرانَ الحالية لا تريد أن تتغيَّرَ ولا تستطيع أن تتغيّر. لم تنجب دينغ ولن تسمح بولادة غورباتشوف إيرانيّ.

لم يغيّر حبرُ مذكّرةِ التفاهمِ خيارات من وقَّعوا عليها. لم يتأخر دونالد ترامب في التَّلويح بغسلِ يديه من المذكّرة رداً على السُّلوك الإيراني في هرمز. في المقابل، تطالب إيران بتطبيق البنود، لكن وفق قراءتها التي تحاول تطويع الالتباسات لوضعها في خدمة سياستها. تتصرَّف إيرانُ كأنّها خرجت من الصّدام مع أميركا وإسرائيل بلقب الدّولة الكبرى في الإقليم. تتذرَّع بالاشتباكِ مع أميركا لقصف جيرانها عقاباً لهم على استضافةِ وجودٍ عسكري أميركي أو اتفاقات دفاعية وأمنية مع واشنطن. تجيز إيرانُ لنفسها المرابطةَ داخل أراضي الدول الأخرى ومن دون استئذان سلطاتها وتنكر على الدول المجاورة حق إبرام اتفاقات ساهم السلوك الإيراني السابق والحالي في تأكيد الحاجة إليها. تتصرَّف إيران كأنّ ورقة الإمساك بخناق الاقتصاد العالميّ في هرمز يمكن أن تكون العمود الفقريّ لتحوّلها دولة كبرى في الإقليم بعدما تعذَّر هذا التحوّل تحت مظلّة المشروع النوويّ.

رسالة المرشد الإيرانيّ مجتبى خامنئي بعد تشييعِ والده واضحةٌ وصارمة. تعهَّدَ على نحو قاطع بالثَّأر لوالده. كتب: "هؤلاء المجرمون الذين توجد قائمة كاملة بأسمائهم من أوّلهم إلى آخرهم سيحملون معهم إلى قبورهم أمنية أن يموتوا موتاً هانئاً على فرشهم". 

قال أيضاً: "قريباً سيؤدّي أفراد من أحرار العالم، كلّ منهم، جزءاً من هذه المهمذة الإلهيّة" أيّ الثأر.

 وامتناع المرشدِ عن الإطلالة حتى في تشييع والده يظهر أنّ إيران لا تستبعد على الإطلاق فصولاً جديدة من المواجهة العسكريّة. لم يكن متوقّعاً أن يكون كلام المرشد بعد تشييع والده معتدلاً لكنَّ التَّشديدَ على الثأر وبهذه الصُّورة يوحي بأنّ مذكّرة التَّفاهم مرشحة للاصطدام بألغام كثيرة لا تقتصر على تلك التي قيل إنَّها زرعت في مياه المضيق.

من بغدادَ إلى بيروتَ يشعر الصحافي الزائر أنَّ مذكّرةَ التفاهم لم تطلق آليةً لطي صفحةِ المواجهة. تواصل أميركا سياستَها الراميةَ إلى قطع الخيط الإيراني الذي يتيح لطهرانَ تحريكَ بعض الفصائل العراقية في حروب المنطقة، ويتيح لها إبقاءَ المواجهة بين "حزبالله" وإسرائيل قابلة للتجدّد في جنوب لبنان. وفي المقابل، تتابع إيران سياستَها القديمةَ الرامية إلى قطع الخيطِ الأميركيّ الذي تعتقد أنَّه وراءَ رفضِ دول عربيّة الرُّضوخَ للإملاءاتِ الإيرانية بشأن أمنِ المنطقة والقرار فيها.

هل كانت مذكّرةُ التفاهم الأميركية - الإيرانية مجردَ محطة مرحلية لتفادي اتساع النّزاع ودخولِه في نفق التدمير الواسع؟ هل أملتها أسعارُ الطاقة وعلاقة ترامب بالكونغرس واقتراب الانتخابات النصفيّة؟ وهل أملتها من الجانب الإيرانيّ المخاوف من تدمير مكلّف للجسورِ ومحطّات الطاقة، وهو ما لوّح به ترامب أكثر من مرّة؟ أطلَّت مذكّرةُ التفاهم كحلٍّ ومخرجٍ ومحاولةٍ لإنقاذ المنطقةِ من كارثة كبرى، لكن هل باتت اليوم تحتاج إلى من ينقذها؟

يقول المتشائمون إنّ الديبلوماسيّة ترشّ السّكر على الموت، وتلعب مع الوقت، وتخترع آمالاً غير مبرّرة. وأنّ مذكّرة التّفاهم هشّة وغامضة وأغفلت بنوداً كثيرة ما يرشحها لتسمية مذكّرة سوء التفاهم.

(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3