من قلعة الشقيف إلى هرمز
Credits: info3

من قلعة الشقيف إلى هرمز

أنظار العالم معلّقة على مضيق هرمز، إنّه أشهر رهينة في التاريخ، شريان حيويّ انسداده يجعل الاقتصاد العالميّ مريضاً. لهذا، تطالب إيران بأكبر فدية في التَّاريخ للإفراج عنه. ولهذا، يمكن القول إنّ العالم منشغل عن الأهوال اليوميّة في غزّة، وعن المأساةِ المتفاقمةِ في جنوب لبنان.

كانَ بنيامين نتنياهو يتطلَّعُ إلى استكمال المَهمةِ في إيران؛ أي إلى جولة جديدة من الحربِ الأميركية - الإسرائيلية عليها، لكنّ الذهاب إلى الحرب مع أميركا لا يسمح بوجود قائدين، خصوصاً حين يكون اسم سيّد البيت الأبيض دونالد ترامب، لا يقبل ترامب بأقلّ من مقعد القيادة من دون شريك.

لقاء حسابات ترامب ونتنياهو عند الطلقة الأولى على إيران لا يعني استمرار التطابق حتى نهاية الحرب، وهذا ما حصل، فتح الرئيس الأميركيّ مع إيران باب الهدنة والتفاوض، ولا يزال مفتوحاً. نتنياهو صاحب خبرة في تطويع بنود الاتفاقات والالتفاف على التفاهمات، لكنّ معرفته بشخصيّة ترامب تدفعه إلى مداراته وتفادي الانزلاق إلى خلاف علنيّ معه. أسلوب الرئيس الأميركيّ في تقريع قادة حلف "الناتو"، علّم نتنياهو أنّ التحفّظ واجب، وأنّ إغضاب السيّد الرئيس مكلف.

نتنياهو قلق من بنود مذكرة التفاهم. رفع الحصار الأميركيّ وفتح "هرمز" وتحريك الأموال الإيرانيّة المجمّدة، وكلّ ذلك قبل "استكمال المهمّة". ترامب يردّد أنّ إيران لن تملك أبداً سلاحاً نوويّاً تتكّئ عليه لاستكمال سياساتها الهجوميّة، لكنّه لم يتوقف في شلال تصريحاته عند الترسانة الصاروخيّة، ولم يعرّج على قضيّة الأذرع الإيرانيّة. في اتفاقات وقف النار أو الهدنة، يدسّ نتنياهو بنداً أو تفاهماً يقضي بحقّ إسرائيلَ في الدفاع عن النفس. يستخدم هذه الصيغة لاستكمال الحرب، وإن بوتيرة أخفّ. هذا حصل في غزّة، ويحصل حاليّاً في جنوب لبنان. لم ينجح نتنياهو في فرض فصل كامل بين الوضع في جنوب لبنان والملف الأميركيّ - الإيرانيّ. التفاهم المقترح بين واشنطن وطهران يتحدّث عن وقف الحرب على كلّ الجبهات بما في ذلك لبنان، ونتنياهو الذاهب إلى الانتخابات يريد ورقة أمن شمال إسرائيل.

منذ "طوفان السنوار"، اتّخذت حكومة نتنياهو قراراً صريحاً بإلغاء الحدود الإيرانيّة - الإسرائيليّة التي شيّد الجنرال قاسم سليماني مداميكها في غزّة وسوريا ولبنان عبر سلسلة الأنفاق والصواريخ والمسيّرات و"الجيوش الصغيرة" المتحرّكة. يعتقد نتنياهو بأنّ ما يوحّد بين هذه الساحات هو "الخيط الإيرانيّ" الذي ضمن بناء ترسانة "حماس" وطوَّر ترسانة "حزبالله"، وكرَّس سوريا ممرّاً للصواريخ في محور المقاومةِ الذي تبلور بعد إطاحة نظامِ صدام حسين.

نظر نتنياهو إلى الحرب مع السنوار باعتبارها جزءاً من الحرب مع إيران، والأمر نفسه بالنسبة إلى الحرب مع الزعيم السابق لـ"حزبالله" اللبنانيّ حسن نصر الله. قرَّر نتنياهو القيامَ بانقلاب كبير ردّاً على "الطوفان". يشمل الانقلاب إلغاء حدود إسرائيل مع إيران على كلّ الجبهات وتغيير ملامح الطرف الآخر من الحدود، وإنشاء "أحزمة آمنة" داخل أراضي الدول المجاورة.

وسط انشغال العالم بمصير مضيق هرمز تشنّ إسرائيل حرباً بالغة الخطورة في جنوب لبنان. تعدّها حرباً لإلغاء الحدود الإيرانية معها على جبهة لبنان. باختياره إسناد إيران، أظهر "حزبالله" أنّ الجولة السابقة من الحرب لم تحرمه من القدرة على إطلاق الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل. ردَّت إسرائيل على خطوة "حزبالله" بتحريك "الخطّ الأصفر" في جنوب لبنان، تماماً كما فعلت سابقاً في غزّة. التوغّلات الإسرائيليّة في عمق الجنوب اللبنانيّ شديدة الخطورة. دمّرت إسرائيل عمليّاً عشرات القرى والبلدات، وها هي تثخن مدناً رئيسيّة مثل صور والنبطيّة بعد بنت جبيل. اقتلعت إسرائيل البشر والحجر، ودفعت مئات الألوف في اتجاه العمق اللبنانيّ وحساسيّاته القديمة والمستجدّة.

يقاتل "حزبالله" الجيش الإسرائيليّ الذي يتوغّل في جنوب لبنان وينزل به خسائر، لكنّ الخسائر التي تلحق بلبنان تفوق قدرة البلد على الاحتمال. إزالة الرّكام في جنوب لبنان بعد الحرب تحتاج إلى وقت طويل. ومثلها الجهود لإعادة البنية التحتيّة، ثمّ إعادة الإعمار. حرب تهدّد بقصم ظهر لبنان وإغراقه في الرّكام سنوات طويلة. ومن يدرك هشاشةَ البيت اللبنانيّ، يدرك خطورةَ أن يتصدّع هذا البيت تحت أثقال الحرب، خصوصاً أنّ أكثريّة اللبنانيّين لم تؤيّد إسناد إيران، وانتقدت سابقاً إسناد غزّة.

في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية لا يملك لبنان أوراقاً تسعفه أو تنقذه، لا يملك غيرَ الاستغاثة بأميركا لتمارس ضغوطها على إسرائيل. وللقيام بهذا الدور، تطالب واشنطن بيروت بمهمّة تفوق قدرتها، وهي نزع سلاح "حزبالله". وحصر السّلاح يعني عمليّاً تفكيك الجبهة الإيرانيّة في جنوب لبنان. لا إيران تقبل ولا "حزبالله" يقبل، والثمن الذي يدفعه لبنان مريع وفظيع.

تجاوب نتنياهو مع رغبة ترامب في عدم مهاجمة بيروت، إلاّ في "عمليّات دقيقة"، أيّ اغتيالات، لكنّ الحرب التي تشنّها إسرائيل في جنوب لبنان لا تقلّ خطورة عن استهداف العاصمة. رفع العلم الإسرائيليّ على قلعة الشقيف رسالة موجعة ومقلقة تنذر بدورة جديدة من العذابات اللبنانيّة. الجرائم الإسرائيليّة مروّعة، والانقسام اللبنانيّ عميق. تدمير بيوت الجنوب يهزّ ركائز البيت اللبنانيّ نفسه، فهل يستيقظ اللبنانيّون قبل فوات الأوان؟

(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3