الحلم الإيرانيّ والعتمة الكوبيّة
Credits: info3

الحلم الإيرانيّ والعتمة الكوبيّة

هل انتدبت "الثَّورة الخمينيّة" بلادَها في مهمّة تفوق طاقتَها حينَ وضعت بين أهدافها مهمّة طردِ "الشَّيطان الأكبر" من الشَّرق الأوسط؟ وهلْ تدفع حاليّاً فاتورةَ التَّحرشِ بالملاكم الأميركيّ الذي تلقَّى في العقودِ الماضية صفعات من الفصائلِ التي تدور في فلكِها؟ وهلْ لديها ما تستنتجه قبل فوات الأوان من المشهدِ الكوبيّ الحاليّ، رغم الفوارقِ في الموقعِ والأحجام والإمكانات؟

تلك الجزيرةُ بعيدة، لكنّ قصّتها مفعمة بالدلالات. قبل أيّام، استقبل مطار هافانا طائرةَ زائر غريب محرج. اسم الزائر جون راتكليف، ووظيفته الحاليّة مدير وكالةِ المخابرات المركزيّة الأميركيّة (سي آي إيه). جاء حاملاً رسالة من ملاكم كبير اسمه دونالد ترمب، وفحوى الرسالة واضح. تريدون المساعدةَ فعليكم أن تتغيَّروا. أن تكفَّ كوبا عن السَّماح لفيدل كاسترو بإدارة البلادِ من ضريحه، وأن تتوقَّفَ عن القراءة في وصاياه، وأن تتبرَّأ من أعداء الولايات المتحدة، وألا تكونَ مقرّاً للنشاطات التَّجسسيَّةِ لروسيا والصّين.

لم يكن ورثةُ كاسترو يرغبونَ في مثل هذا المشهد. إنَّه مناقضٌ لإرث الرَّجل الذي كاد يتسبَّب في وليمةٍ نوويّة إبان أزمة الصواريخ الكوبيّة، لكنَّ المكابرةَ لم تعد ممكنة. أحياناً، تكسر الأرقام هالة الأحلام. الجزيرة المتمرّدة تغرق في العتمة. ولم يعدِ الوَقودُ يأتي من روسيا أو المكسيك أو بلادِ سجين اسمه مادورو كان "رفيقاً" وكان رئيساً. تدهور مريع في الخدمات، غابَ السيّاح عن الشوارع، وأغلقت بعض الفنادق. أحكمَ ترامب الحصارَ، ولا يرغب أصدقاء الماضي في استفزاز الرجل الذي يلوّح دائماً بسيف العقوبات. التقى راتكليف وزير الداخليّة ومسؤول الاستخبارات، والتقى أيضاً مسؤولاً أمنيّاً هو حفيد الرئيسِ السابق راؤول كاسترو شقيقِ فيدل الذي يقيمُ في منتصف التسعينات. تضمَّنتِ الرسالة إشارةً إلى فنزويلاّ والتلميح يُغني عن التصريح.

يجدُ الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (وهو أيضاً الأمين العام للحزب الشيوعيّ الحاكم) نفسَه أمام مهمّةٍ شاقة. أيقظتِ العتمة قدراً من الغضب لدى المواطنين. للمرّة الأولى، نُظمّت تظاهرات، ورُدّدت شعارات سياسية. يعاند الرئيس، يقول إنَّ "الاستسلام ليس حلاً"، لكنَّه لا يملك حلاً. ترامب يحلم بانتصار كوبيّ بعد الفنزويليّ ولوزير خارجيته روبيو المتحدّر من أصول كوبيّة حساب يصفّيه مع حرّاس ثورتها. قالت واشنطن إنَّها مستعدّة لتقديم 100 مليون دولار مساعدة إنسانيّة لكوبا، لكنّ إدارة ترامب ليست جمعيّة خيريّة، وهي تطالب كوبا بمساعدة نفسِها كي تساعدَها أيّ تطالبها بأن تتغيّر.

إيرانُ لا تشبه كوبا، إنَّها بلد كبير في منطقة حسّاسة، بلد ينام على ثروات تؤهّله كي يكونَ مزدهراً وصاحبَ دور في الإقليم إذا اقتربت مفردات قاموسِه من اللغة الدوليّة وشروط حسن الجوار.

من عادة الثورات أن ترتكب الأحلام الكبرى، لكنَّ الوقتَ حاكم صارم حين تفشل الأرقام في حماية الأحلام. تتحوّل الأحلام عبئاً حين تصطدم بحقائق ميزان القوى، وحين تتدهور العملة، ويتصاعد التضخمُ، وتتزايد البطالة، وتلوح العزلة. وحين ترسل الأرقام إشاراتها الحمراء لا بدَّ للبلد المعني من العودة إلى الداخل. فتوحات الاتحاد السوفياتيّ لم تجنبه المصيرَ القاتم. الإنقاذ يأتي من داخل الخريطة، من التصالح مع الأرقام ودروسها. ومن الانشغالِ بالناس ومستوى معيشتهم واللحاق بالعصر وتوظيف تقدمه في خدمة الاستقرار والازدهار. التَّخصيب النوويّ لا يشبع الجائع. المرابطة في خرائط الآخرين لا تنقذ مقر الإمبراطوريّة إذا تجاهل الأرقام.

لنترك كوبا البعيدةَ قليلاً. في الشرق الأوسط تجاربُ يمكن الإفادة منها. انتدب صدّام حسين العراقَ لمهمّة تفوق طاقته. غزت قواتُه الكويت، ثم انسحب ليقيم مع الرُّكام والعقوبات وكان ما كان. انتدب معمّر القذافي بلادَه لمهمّة تفوق طاقتَها، أرسلَ العبواتِ، وفجَّر الطائرات، وتحرَّش بالملاكم الأميركيّ، وكان ما كان. وهم الأدوار الباهظة لا يقتصر على الدول، الفصائل أيضاً يمكن أن تصابَ بهذه الأعراض. انتدب يحيى السنوار غزَّةَ لمهمّة تفوق قدرتها، وها هي تقيم وسطَ الرُّكام والجنازات بعدما ارتكبت إسرائيل أفظعَ عمليةِّ تدمير منذ الحرب العالميّة الثانية. الاغتيال الإسرائيليّ الممنهج للقرى في جنوب لبنانَ يشير أيضاً إلى أنَّ "حزبالله" انتدب لبنانَ لمهمّة تفوق طاقته. مقاومة الاحتلال حقّ مشروع، لكنّ الانخراط في برنامج إقليميّ يفوق قدرةَ البلد شيء آخر، يمكن قول الشيء نفسِه عن بعض الفصائل العراقيّة.

السياسات الأميركيّة ليست بريئة، مسيرتها مبقَّعة بالأخطاء والخطايا، لكنَّ مهمّةَ الحكومات هي السَّهر على سلامة بلدانها وازدهار اقتصاداتها، وتجنّب السياسات الانتحاريّة. لأهلِ المنطقةِ مصلحة فعليّة في اجتناب العودة إلى الحرب. تهديدات ترامب بعد عودته من بكين تعيد دقّ جرس الإنذار. المعركة غير متكافئة، سلاح المضيق مهمّ، لكنَّه يتَّجه إلى التحوّل عبئاً على إيران. واستمرار الحصار البحريّ ينذر بإنهاكِ اقتصادها وآبارها وعملتها. لا بدَّ من تلافي جولةٍ جديدة من المواجهة مع الملاكم الأميركيّ، لا بدَّ من القراءةِ في تجاربِ الآخرين من عتمة بلادِ كاسترو، وصولاً إلى إرثِ صدّام والقذافي وآخرين.

(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3