المعاون الأنيس للسيّد الرئيس
Credits: INFO3

المعاون الأنيس للسيّد الرئيس

لا تقلّ إنّ لديك حلاًًًّ، أنت لست مهندساً ولا صانعاً، وليس من حقّك أن تسرق بريق الشاشات، أو مدائحَ التَّعليقات والمقالات. قدرك أن تقيم في الظّل، وأن تنسبَ الأشياء لغيرك. الحلّ يأتي مباشرةً من النبع، مشاركتك في طبخِه لا تعطيك حقّ التّملك أو حقّ الادعاء، الحلّ جزء من مواهبِ السّيد الرَّئيس، لا ينازعه أحد ولا يشاركه أحد.

ولا تقلّ إنّ لديك فكرة منقذة، الإنقاذ ليس من مهامك ويتخطَّى موقعك وقدراتك، الإنقاذ من مسؤوليّة الرجل الجالس في نبع القرار، الرجل الذي اختارته روح الأمّة قبل أن تصادق الصناديق على اختياره. رجال المنعطفات لا يولدون من صناديق الاقتراع، ينتدبهم القدر لمهمّات كبرى، ثمّ يأتي دور المواطنين في الاقتراع والتصفيق.

لا تقلّ إنّ الوضع صعب، قلّ دائماً إنَّه تحت السيطرة، وإنّ مصير الأرزاق والأعناق في أيدٍ أمينة، وإنّ الرجل المؤتمن على المصائر فنان في إدراك أحلام الأمّة ومشاعرها وحاجاتها، وإنّ الشعب هو المسؤول في حال حصول سوء تفاهم لأنَّه لم ينجح في التقاط الأفكار الرائدة للسيّد الرئيس.

أنت مساعد السيّد الرئيس، أنت الصدَى لا الصوت، إيّاك أن تتحدَّثَ عن القلق على المصير أو تصحيح المسار، المصير مسؤوليّة المنقذ وحده، والمسار باهر مهما حاول الأعداء والمغرضون التشويش. وظيفتك الأولى أن تحفظَ موقعك، وسلامتك، ورضى الممسك بمصيرك، وهذا يعني تحيّن الفرصة لإطلاق المديح وعبارات الإشادة والاستحسان.

لا تقل إنّ السيّد الرئيس يمشي على خطى أسلافه، للسيّد الرئيس نهج لا يشبه أيّ نهج آخر، ولديه أسلوب من خارج المألوف والمعروف، لا يقلّد أحداً ولا ينجح أحد في تقليده.

سألت رجلاً عمل في قصر صدّام إن كان أحد أعضاء القيادة القطريّة لحزب "البعث"، ألمح أمام السيّد الرئيس إلى أنّ قرار غزو الكويت كان كارثيّاً أو متسرّعاً أو مكلفاً. ولم يكن الجواب سرّاً أو مجهولاً. قال إنّ طارق عزيز تعذَّب طويلاً في الجلسة التي أعلن فيها ضمَّ الكويت وتحويلها محافظة عراقيّة. كان يدرك الأخطار، لكنَّه حين تفرّس في الوجوه المتحلّقة حول الرئيس فضَّل عدم المجاهرة برأيه.

في هافانا، وعلى هامش قمّة عدم الانحياز، استقبل صدّام حسين وزير الخارجيّة الإيرانيّ صادق قطب زادة. كانت عبارات الوزير الإيرانيّ مجاملة. بعد خروجه، قال مندوب العراق لدى الأمم المتحدة صلاح عمر العلي، إنَّه يمكن البناء على الأجواء الإيجابيّة التي سادت اللقاء، فردّ عليه السيّد الرئيس: "لا تكرّر هذه العبارة، سأكسّر رأس الإيرانيّين وأسترجع كلَّ شبر استولوا عليه". أدرك صلاح صعوبة تقديم النصيحة لـ"القائد التاريخيّ".

كان ذلك في دمشق. ذهبت لزيارة نائب الرئيس عبد الحليم خدّام، وكان يعرف أنَّني التقيت قبله الرئيس بشار الأسد. سألت خدّام لماذا وقع الخيار على بشار لدى وفاة والده حافظ؟ كان خدّام يدرك أنّ للجدران كثيراً من الآذان. ردّ بمطالعة جوهرها أنّ الخيار طبيعيّ، فقد نشأ بشار في كنف والده، وتعلَّم في مدرسته. وبالتالي، كان طبيعيّاً أن تتَّجه قيادة الحزب إلى من يكمل نهجَ الراحل.

وبعد سنوات زرت خدّام في باريس، بعدما أعلن انشقاقه وأعدت طرحَ السؤال عليه. حرص على القول إنَّه حين استدعي إلى منزل الأسد كان ما كتب قد كتب. وبالتّالي، فهو لا يتحمّل أيّ مسؤوليّة في وصول بشار. قال إنّ بشار لا يصلح أصلاً لمنصب بهذا الحجم، وإنّ هذا التوريث في نظام بعثيّ خطأ فادح، إذ ظهر أنّ الأسد الأب لم يجد غير نجله ليأتمنه على البلاد.

روى لي الدبلوماسيّ الليبيّ علي عبد السلام التريكي، أنَّه غطَّى وجهَه خجلاً حين حاول معمّر القذافي من منبر الأمم المتحدة تمزيقَ ميثاقها، ثمّ طرحَه أرضاً. اعترف بأنَّه لم يجرؤ على مطالبة القائد بالاختصار قليلاً بعدمَا تخطَّى بكثير حدود الوقت المتاح للزعيم المتحدّث. والأكيد أنَّ التريكي لم يعاتب السيّد القائد بعد الحادثة - الفضيحة على ما فعل.

هل عادَ العالم إلى عصر الرجل القويّ، الذي لا يعترف بأيّ حدود، ولا يجرؤ مساعد أو مستشار أن يصارحَه بالحد الأدنى من الحقيقة؟ لا نملك المعلومات اللاّزمة ما إذا كانَ فلاديمير بوتين سأل وزير خارجيّته سيرغي لافروف قبل أن يأمر الجيش بالتوغّل في الأراضي الأوكرانيّة، ولا نعرف ماذا كانَ رأي لافروف المجرّب في حال تمّت استشارته.

يصعب تصوّر أنّ مساعداً لترامب علَّق على خطف مادورو بالتذكير بخطورة هذه السابقة. ويصعب الاعتقاد بأنَّ مساعداً صارحه بقسوةِ عبارته ومفادها أنَّه لولاه لذهب حلف "الناتو" إلى مزبلة التاريخ. ولا نعرف ما إذا كان معاون له حاول خفضَ اندفاعه إلى المطالبة بضمّ كندا أو الاستحواذ على غرينلاند، أو صرف النَّظر عن انتقاد النظارات الشمسيّة للرجل الجالس في قصر الإليزيه. ولا نعرف ما إذا كانَ أحد من المحيطين تمكّن من مصارحة السيّد الرئيس بأنَّ حسن إدارة البيت الأبيض وموقع أميركا في العالم أهمّ من فوز سيّد القصر بجائزة "نوبل" للسلام. لفتني قول ديبلوماسيّ صديق إنّ مساعدي ترامب يكيلون له من المدائح ما يوحي بأنَّهم أعضاء في "القيادة القطريّة" المتحلّقة حول السيّد الرئيس.

أنهَى شي جينبينغ منذ سنوات قاعدةَ "القيادة الجماعيّة"، التي اعتمدت في الحزب بعد غياب ماو تسي تونغ وذيول "الثورة الثقافيّة" وويلاتها. في تاريخ بلاده، بات يجلس على كرسيّ مشابهٍ لكرسيّ ماو مع ميلٍ إلى تخطّيه. حملة التطهير الحاليّة أطاحت نائبَه في "اللجنة العسكريّة"، وهي صاحبة القرار الأخير في البلاد. اللجنة لجنةُ الرئيس والفريق فريق الرئيس. أغلب الظّنّ أنّ أحداً لم يرفع سبابتَه معترضاً. وظيفةُ عضوِ القيادة أن يكونَ سلساً ومطيعاً، وأن يكونَ المعاون الأنيس للسيّد الرَّئيس.

(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3