اعترافات صحافي سابق عن المال الانتخابي
Credits: info3

اعترافات صحافي سابق عن المال الانتخابي

كلّفني رئيس تحرير جريدة كنت أعمل فيها بالإشراف على ملحق انتخابيّ يوميّ، مشدّداً على منع نشر أيّ مقالة أو معلومة تفوح منها رائحة مال للمراسلين والمحرّرين. قال لي: "أعرف أنّك تشمّها من بعيد".

لم أخيّب ظنّه، ولكن وقعت بعد أيّام في مشكلة ذات طابع أخلاقيّ - إنسانيّ. تشاور الزملاء في ما بينهم وكلّفوا أحدهم الأكبر سنّاً بالتحدّث إليّ، وكنت ولا أزال أحترمه وأحبّه. قال لي: "نحن يا عزيزي أرباب عائلات، وعلى كلّ منّا دفع أقساط مدارس وجامعات وأقساط للمصارف. ورواتبنا ضئيلة مقارنة بغلاء المعيشة، لا تكفي لنقوم بواجباتنا العائليّة. لذلك، ننتظر هذا الموسم مرّة كلّ أربع سنوات كي نتمكّن من الاستمرار في العيش بحدّ معقول من الكرامة، وما تفعله أنت منذ أيّام هو قطع أعناق بالنسبة إلينا".

تنازعتني لوهلة أفكار ومشاعر متضاربة، وأجبت بما مفاده أنّني متفهّم لمعاناتهم في مواجهة أعباء الحياة، ولكن لا أحبّذ وسيلتهم. واشترطت لإمرار أيّ خبر، ألاّ يكون انحيازه فاضحاً، فلا عناوين صارخة، ولا تجاهل كاملاً لوجهة النظر الأخرى أو المعلومة المناقضة في الخبر. رجاء لا تدعوني أشعر أنا أو القارئ بأنّ هناك مالاً انتخابيّاً من مرشحين أو لوائح. هكذا، إذا سألني رئيس التحرير فأجيبه بأنّني لم أنتبه. هناك تعبير عامي يستخدمه الصحافيّون في لبنان هو "خَبَر مْشَلبَن"، أيّ أنّه موضوع في غلاف جميل وإطار واسع لإخفاء المعلومة المدفوع ثمنها..."شلبنوها".

 

خاطرت باحتمال فقدان ثقة رئيس التحرير بي، ولكن غلبني التعاطف والرحمة. والواقع أنّني أنا أيضاً رب عائلة ولم يكن الراتب يكفيني، إلاّ أنّني كنت أحلّ أزماتي عندما تتفاقم بالمزيد من الاقتراض. أقصد فرع المصرف الذي نقبض منه، مع زميل لي - صار إعلاميّاً كبيراً لاحقاً - حيثُ أكفله وهو يكفلني ونخرج معاً سعيدين بقرضَين إضافيّين، هو ليشتري سريراً أكبر لابنه، وأنا لأدفع قسط مدرسة الأولاد. وكان المصرف أيضاً يبدو سعيداً، وإعلاناته التي كانت تملأ الشاشات ولوحات الطرق لا تكفّ عن توجيه رسائل فحواها "البنك يحبّك".

في المرّات القليلة التي عرض فيها مرشحون ونوّاب عليّ مالاً انتخابياً لجهلهم عقليتي ومثاليّاتي، كان ردّ فعلي سيّئاً واعتبرت الأمر إهانة لا تُغتفر. وكنت أعرف عن زميلات وزملاء آخرين في جريدة أنّهم أكثر تشدداً منّي في موقفي المبدئي.

اليوم لم يعد ثمة مكان في وسائل الإعلام المتكاثرة، ولا سيما عبر الفضاء الإلكتروني من مواقع وبودكاستات، لاحتمال المحافظة على مسافة عن المال، خصوصاً في مواسم الانتخابات، لا بل إنّ هذه الوسائل المتفلّتة من مبادئ الصحافة والنشر تخوض سباقات محمومة سعياً إلى حصّة من سوق التمويل المفتوح، سواء أكان من داخل البلد أم الخارج. 

 إلاّ أنّ التعميم يبقى ظالماً، وهناك طرف آخر في المعادلة مسؤول بدوره عمّا وصلنا إليه، هو الذي يدفع. أذكر تماماً أنّني بعد إحدى الدورات الانتخابية سمعت نائباً يقول إنّ الكرسيّ كلفه هذه المرة 14 مليون دولار. ولم أستغرب، فكلّما تنقّلت بين محطات التلفزيون والراديو قبل موعد الاقتراع كنت أراه أو أسمع صوته وصوره الكبيرة تملأ اللوحات الإعلانيّة على الطرق، والمواقع تلهج بأخبار وتحليلات تروّج له. وهذه كلها غالية جداً، من غير أن نصل إلى تكلفة شراء الأصوات للتفوق في المعركة.

نقرأ عن سقف للإنفاق الانتخابي في القانون ونعلم جميعاً أنّ غالبية عظمى لا تحترمه. والحال أنّ الدولة أخفقت حتى في أيّام عزّها في ضبط تمويل الصحافة كما في ضبط تمويل الأحزاب، ولا تقلّ خطورة أحدهما عن الآخر.

أكتب ذلك لأقول إن لبنان تغيّر. تغيّر كثيراً عن أيّام كان فيها شيء يسمّونه الخجل.

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3