عن البطريرك الدويهي الذي كان يرى بعيداً

عن البطريرك الدويهي الذي كان يرى بعيداً

يستحق اللبنانيون والمسيحيون والموارنة وأهل إهدن - زغرتا والأعزّاء بيت الدويهي، قديساً جديداً من بينهم.

ويستاهل البطريرك الدويهي كل التكريم، في معزل عن مسائل الإيمان والتقوى التي ليس الفايسبوك مجالها، لأسباب أخرى لا تزال تمسّ الناس في حياتهم اليوم. فليس أمراً عابراً أن يفرض رجل في القرن السابع عشر على من يختارهم لتلقي العلم في المدرسة المارونية في روما أن يعلّم كلّ منهم الأولاد في قريته مجاناً ثلاث سنوات، قبل نحو مئة سنة من مجمع اللويزة للكنيسة المارونية الذي فرض التعليم الإلزامي للصبيان والبنات في 1736. وكان يُلاحق هؤلاء الطلاب برسائل إلى روما، يقول في إحداها " لم نرسلكم إلى بلدان بعيدة برّاً وبحراً إلّا لتتعلّموا وترجعوا فتفيدوا غيركم". ومن روما كانوا يعودون إلى بلدانهم، ليس لبنان فحسب، بل أيضاً سوريا وفلسطين وقبرص ومالطا، حيث ساهموا في تميّز الموارنة بأنهم جماعة علم، تقرأ وتكتب بلغات متعددة، وقديماً قيل كل لغة إنسان آخر. 

رجلٌ رفض عرض الانصراف إلى تعليم الفلسفة واللاهوت في روما ليعلّم بنفسه أولاد قريته الصغار ويفتح مدارس، ومع المدارس فتح أفقاً على الثقافة الإنسانية الشاملة في أنحاء الجبل الغارق في الجهل والأمّية تلك الأيام.

ومع التعليم كان يهتم بتعزيز اللغة العربية ويكتب بها شروحات للكتب باللغة السريانية التي كان يتقنها ويتكلم بها بطلاقة. لم يعد إتقان العربية في عهده حكراً في الجبل اللبناني على المسلمين الذين كانوا يتعرضون لغزو ثقافي ولغوي تركيّ قوي. لا بل فرض على الكنيسة المارونية ورعيتها إتقان اللغة العربية والتعامل بها مع الاحتفاظ بالتراث السرياني ("لغتنا السريانية" كان يقول)، وسهّلت اللغة العربية على الموارنة التعامل مع الأقوام والشعوب من حولهم ومغادرة عزلة لغوية وفكرية ساهمت في ظروف معينة في القضاء على جماعات أخرى في الشرق. 

من هذه الخلفية المنفتحة التنويرية والمتقبلة للآخر نسج البطريرك الدويهي علاقات طيبة مع المسلمين السُنّة والشيعة والدروز - خصوصاً الدروز- على قاعدة الاحترام والمحبّة والعطف على الفقير أياً يكن. وفوق ذلك كله كان مؤلفاً غزير الإنتاج في التأريخ وترجمة اللغات والليتورجيا المارونية، وتميز بكتاباته العامّية بأسلوب عفوي وحيّ مثير للدهشة، هو المتمكّن من السريانية واللاتينية والإيطالية. كانت كلمته بالعامية حفراً وتنزيلاً. 

وكان البطريرك المثقف يرى بعيداً إلى الأمام. ليس قليلاً أنه كان يحضّ على المساواة بين الناس من خلال عمل في الواقع الملموس من خلال دعوته إلى توريث البنات مثل الأبناء، وعدم حرمانهن الإرث وفقاً للقاعدة السائدة حتى الأمس القريب في البيئات الريفية اللبنانية. رجل من لبنان أطلق هذه الدعوة قبل نحو 150 سنة من الثورة الفرنسية. تخيّلوا! 

*عن قصد وعمد لم أكتب شيئاً عن حفلة تطويب البطريرك الدويهي أمس في بكركي. يا حسرتي علينا.

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3