Credits: INFO3

"عاشوراء" على فوهة بندقيّة

ما الذي تعنيه العراضة المسلّحة التي خرجت من زقاق البلاط والخندق الغميق في بيروت وفي عاشوراء؟ وما الرسائل التي أراد القائمون بها إيصالها؟ ولمن؟

 قبل أيّام، في حيّ زقاق البلاط المتداخل مع حيّ الخندق الغميق في بيروت، وفي الأيّام العشرة الأولى من محرّم المعروفة عند الطائفة الشيعيّة بـ"عاشوراء"، خرجت عراضة مكوّنة من مجموعة من الشبّان يحملون سلاحاً ويهتفون للحسين بن عليّ، وهي ظاهريّاً للتعبير عن حزن على استشهاده قبل ألف وبضع مئات من السنوات. أمّا من حيث المضمون، فتُحمل العراضة المسلّحة هذه على ألف محمل ومحمل.

من "التّطبير" إلى السّلاح

عادة، يدور النقاش حول طقوس الحزن في عاشوراء، من "التطبير" إلى "اللطم"، فيحرّم بعض العلماء جزءاً من هذه الطقوس بينما يجيزه آخرون، وينقسم الناس، خصوصاً الشيعة، بين هذا العالم وذاك، لكنّ هذه السنة، تمحور النقاش حول استعراض السلاح في هذه المناسبة الأليمة، من دون مبرّر، وفي مدينة تتمتّع بنسيج اجتماعيّ ودينيّ وعرقيّ متعدّد ومتنوّع تتميّز به المدن في العالم عادة، وتتألّق به "بيروت ستّ الدنيا".

ظهر في تلك العراضة، أو في "المسيرة العاشورائيّة"، كما يطلق عليها أصحابها والقائمون بها، سلاح يرتبط بكلّ شيء، إلّا المناسبة التي ظهر فيها، أو التي تمّ "التلطّي" بها لاستعراض السلاح. فأيّ رسائل أرادت العراضة تلك أن توصل؟ ولمن؟ وكيف تُفسَّر؟

سياق سياسيّ

لا تُقرأ العراضة المسلّحة السابقة الذكر، إلاّ ضمن سياق سياسيّ لم يعد خافياً على أحد: الردّ على الضرورة السياسيّة والوطنيّة لنزع السلاح غير الشرعيّ وحصر كلّ سلاح في الجمهوريّة اللبنانيّة في يدّ الدولة وحدها، وهو مطلب لم يعد حكراً على معارضةٍ ما، وإنّما بات مطلباً لبنانيّاً عابراً للطوائف، ومطلباً عربيّاً ودوليّاً دون تحقيقه مخاطر كثيرة. وتقول هذه العراضة بمعنى واضح إنّ السلاح لن يتمّ تسليمه.


منذ انتهاء الحرب الأهليّة اللبنانيّة مطلع تسعينيّات القرن الماضي وجزء من اللبنانيّين يطالب بحصر السلاح في يدّ الدولة تطبيقاً للدستور وسعياً إلى رأب الصدع الذي كرّسته "حروب الآخرين على أرضنا" بين اللبنانيّين.

غير أنّه حالت دون ذلك هيمنةُ النظام السوريّ البائد وسيطرته على القرار السياسيّ في لبنان ورعايته "حزبالله" وحصره السلاح غير الشرعيّ في يده وشرعنته تحت شعار "المقاومة"، في محاولة منه للإمساك بهذه الورقة الرابحة ضدّ إسرائيل واللبنانيّين والسوريّين أيضاً كما اتّضح لاحقاً.

لكنّ المطلب هذا لم يعد حكراً على فئة معيّنة من اللبنانيّين منذ انتهاء الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على لبنان في 27 تشرين الثاني 2024، بل صار مطلباً لبنانيّاً بامتياز رسميّاً وشعبيّاً، نظراً إلى إخفاق هذا السلاح في خلق منظومة ردع تحول دون اعتداء إسرائيل على لبنان، ونظراً إلى الويلات التي جرّها على لبنان في أكثر من حرب ومحطّة مفصليّة، وآخِرتها "حرب الإسناد والمشاغلة" دعماً لعمليّة "طوفان الأقصى" التي شنّتها "حماس"، الجناح الإسلاميّ المتشدّد بين الفصائل الفلسطينيّة.

رسائل "أهليّة"

صحيح أنّ السلاح وحمله في لبنان ثقافة سائدة عزّزها غياب الدولة وضعف مؤسّساتها في إنفاذ القانون وتطبيق الدستور، ويظهر في كلّ مناسبة من الأعراس إلى المآتم، ومن حفلات "الطهور" إلى النجاح في "البريفيه"، لكنّه في هذه وتلك يحمل طابعاً فرديّاً. أمّا في المسيرة العاشورائيّة الأخيرة فيحمل طابعاً "جماعيّاً" و"سياسيّاً".

الانتماء المذهبي لحمَلة السلاح معروف، انتماؤهم السياسيّ كذلك. فبغضّ النظر عن انتمائهم السياسيّ لهذا الحزب أو تلك الحركة، حمَلة السلاح هؤلاء من "البيئة الحاضنة" لـ"حزبالله" وسلاحه. خروجهم بسلاحهم رسالة تعكس حجم القلق والخوف اللذين يسيطران على البيئة تلك مذ توقّفت آلة الحرب الإسرائيليّة وظهر حجم الخسارات السياسيّة والعسكريّة التي نتجت منها.

هي أيضاً رسالة تقول نحن هنا، وسلاحنا معنا، فلا يظنّنّ أحد، حزباً كان أو طائفة أو حتّى دولة، أنّنا "لقمة سائغة". والرسالة "الأهليّة" تلك مفهومة. فمن حمّل الأهالي السلاح، زرع فيهم أوّلاً الخوف من الآخر، الآخر الذي هو "لبنانيّ" هنا لا "إسرائيليّ"، ذلك أنّ السلاح الذي ظهر لا يُستخدم عادة ضدّ إسرائيل، وإنّما يُستخدم في حرب ضدّ اللبنانيّين.

استعراض السلاح الموجّه ضدّ إسرائيل له مناسباته ومهرجاناته، وقد شاهدناها مراراً على مدى سنوات ولّت أيّامها وانقضى زمانها. أمّا السلاح هذا فلا نفع له خارج معارك الأحياء والمناطق، أيّ خارج الاشتباك من المسافة صفر، وهو ما لا يتحقّق إلاّ في الأزقّة الضيّقة وعلى "خطوط التماسّ" وفي معارك الحافّة الأماميّة الأخيرة بعيدة المنال، وعليه استعراض هذا السلاح موجّه إلى سكّان الأحياء المجاورة، أيّ موجّه عمليّاً إلى "الأهل" و"الأخوة في الوطن وفي العاصمة"، مهما كانت الحجج والتبريرات.

أبعد من ذلك، هو سلاح لا يحسم معركة ولا يحقّق مكسباً أو يغيّر معادلة. أقصى ما يمكن أن يقوله إنّ الدولة ضعيفة وهشّة، وأعجز عن أن تحصر السلاح في يدها وتطبّق قوانينها في أحياء صغيرة في العاصمة. وتالياً إظهارها بمظهر العاجز عن حماية مواطنيها، الأمر الذي يشرعن السلاح ويخلق مبرّراً لوجوده. تلقّفت الدولة الرسالة وردّت عليها بأن ألقت قواها الأمنيّة القبض على حمَلة السلاح في تلك العراضة، واحداً واحداً. فهل وصلت رسالة الدولة إلى المحرّضين على تلك العراضة؟

سلاح يستدعي سلاحاً آخر

حمل السلاح في زقاق البلاط والخندق الغميق لا يقدّم سوى مبرّر، بل مبرّرات ليحمل أهالي الأحياء البيروتيّة الأخرى السلاح، فهل هذا هو المطلوب؟ وحمل السلاح أيضاً يبعد الآخرين عن عاشوراء، المناسبة الدينيّة والمحطّة السياسيّة التاريخيّة والمفصليّة في تاريخ الطائفة الشيعيّة، ويبعدهم عن الحُسين الذي خرج طلباً "للإصلاح في أمّة جدّه"، لا طلباً للفتنة والشقاق والفرقة. فهل هذا ما أراده الحُسين؟ وهل هذه هي رسالة عاشوراء، دينيّاً وسياسيّاً وأخلاقيّاً؟

تدقّ ناقوسَ الخطر العراضة المسلّحة التي خرجت في زقاق البلاط والخندق الغميق، وتكتب على الدولة اللبنانيّة خطوات لا مناصّ من أن تخطوها: إعادة تأهيل الكثير من الأحزاب السياسيّة اللبنانيّة للخروج من أزقّة السلاح الأهليّ وزمنه نحو فضاء الدولة وزمن المواطنة والقانون. فهل من يسمع؟


* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3