نهاية حلف الأقليّات
Credits: INFO3

نهاية حلف الأقليّات

قبل انهيار النظام السوريّ العلويّ، نظام الأسدين الأب والابن، وقبل تلقّي "حزبالله" الشيعيّ ومحور الممانعة ضربات قاصمة تُوّجت أخيراً بحرب إسرائيليّة يهوديّة مباشرة على إيران الشيعيّة، كان يسود الشرق "حلف أقلّيّات"، لم تعد كوارثه تخفى على أحد. اليوم وقد انفرط عقد هذا الحلف، أيّ مستقبل لبلادنا بأقليّاتها وأكثريّاتها التي لا تثبت على واقع؟

 

قضت حرب الأيّام الإثنيّ عشر بين إسرائيل ومن خلفها الولايات المتّحدة الأميركيّة، وبين إيران، على حلف سياسيّ أقلّويّ في غالبه، أثبتت الأحداث أنّه غير متين ولا يُعوَّل عليه، والدليل سرعة سقوطه وانفراط عقده، حتّى قبل أن تضع الحرب هذه أوزارها، بل حتّى قبل أن تندلع.

الجميع انتصر في الحرب:

انتصر النظام الإيرانيّ إذ بقي حيّاً.

انتصرت إسرائيل إذ أضعفت القدرات الصاروخيّة الإيرانيّة وقضت حسب زعمها على البرنامج النوويّ الإيرانيّ.

انتصرت أميركا إذ أثبتت أنّ لها اليد الطولى في ما جرى ويجري في العالم.

وحدها الأقليّات في الشرق انهزمت. الشيعة هُزموا في لبنان، وكذلك الموارنة المتحالفون معهم ("التيّار الوطني الحرّ"). العلويّون في سوريا مُنُوا بهزيمة ماحقة: خسروا الحكم، وربّما إلى الأبد. أمّا الدروز من لبنان إلى فلسطين فوُضعوا في موضع لا يُحسدون عليه لولا المواجهة التي خاضها وليد جنبلاط. وأخيراً، أعادت الأحداث الأخيرة، خصوصاً مجزرة كنيسة الدويلعة في دمشق، طرح مصير المسيحيّين عموماً في هذا الشرق.


ترسانة إيران السّياسيّة

قبل القضاء على ترسانة إيران العسكريّة في إيران وخارجها، تمّ القضاء على ترسانتها السياسيّة: حلف الأقليّات، وفيه العلويّون في سوريا وبعض الدروز في لبنان وسوريا وجزء كبير من الموارنة في لبنان ومن المسيحيّين في سوريا والشرق عموماً، والشيعة من لبنان مروراً بسوريا والعراق، وصولاً إلى طهران. وطبعاً، لا يمكن إغفال الزيديّين في اليمن.

"نصر" إيران عمليّاً ليس سوى درّة تاج الهزائم التي مُنيت بها أخيراً في المنطقة، من فلسطين حتّى قلب طهران. البداية مع "حماس" و"الجهاد" في فلسطين وما استجلباه لغزّة من موت ربّما لا قيامة بعده، ثمّ في لبنان حيث تلقّى "حزبالله" ضربةً موجعةً إن لم نقل قاصمة، فسوريا التي انتقلت من زمن إلى زمن، وقطعت كلّ الشعرات التي كانت تربطها بإيران.

انفضّ موارنة عن "حزبالله"، وقُطّعت أوصال الدروز بين خيارين خاسرين على المديَين المتوسّط والبعيد: إسرائيل أو ما بقي من محور المقاومة. ونأى العلويّون عن جنّة الحكم واستقرّوا في جهنّمه، بينما يترقّب المسيحيّون ما ستحمله إليهم الأيّام والأحداث المقبلة.

استفاق المارد السنّيّ في سوريا واستفاقت معه أمجاد الأمويّين من جديد، وعادت الأكثريّة أكثريّة والأقليّات أقليّات، وانفرط عقد العشّاق. العلويّون في الساحل السوريّ، ليس أمامهم سوى البحر. المسيحيّون في الشرق كلّه لن تبارحهم "عقدة الاضطهاد". "حزبالله" الشيعيّ بلا حليف حقيقيّ يعوّل عليه في لبنان والمنطقة، ولا يفعل شيئاً أكثر من مراكمة الأعداء أو العداوات.

إلى أين تمضي الأقليّات في بلادنا؟ وما الخيارات التي تقدّمها لها الأكثريّة السنّيّة؟

إكرام الميت دفنه

أوّل ما يتبادر إلى الأذهان إجابةً عمّا سبق من أسئلة: إعادة إحياء حلف الأقليّات، وهو الحلف الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه، فلولاه لما كان "حزب الله" راكم هذا الكمّ من الأعداء، وما كان العلويّون لقمةً سائغةً على ضفاف المتوسّط، وكذلك الدروز الذين كان بالإمكان أن تكون الخيارات أمامهم متعدّدة. أمّا المسيحيّون فدأبهم منذ فجر المسيح في هذا الشرق أن يتأقلموا مع المستجدّات والمتغيّرات وأن يدفعوا أثمانها.

أميركا مع المنتصر وأكثر من بيانات الشجب والاستنكار ليس للأقليّات لديها شيء آخر. من جهتها، تطرح إسرائيل على الأقليّات حمايتها والتحالف معها والسير في ركب مخطّطاتها للمنطقة، وتمنح حمايتها لمن يشتهيها. للدقّة، تمنحها لمن تجبره على أن يشتهيها.

عدوّكم من ورائكم وإسرائيل من أمامكم، فاختاروا. حصل هذا مع الدروز في السويداء، وهو مرشّح ليحصل مع غيرهم من أقليّات هذا الشرق. أمّا إيران فليس لديها سوى "الصبر الاستراتيجي"، هي أضعف من أن تقدّم غيره، لكنّ الصبر الاستراتيجي هذا تنتهي الأقليّات قبل أن تأتي ساعة فرجه، المعطيات كلّها تقول ذلك.


كرة في ملاعب كثيرة

الكرة الآن في ملاعب كثيرة: ملاعب الأقليّات، وملعب الأكثريّة السنّية التي استفاقت للتوّ. والمعادلة واضحة: حدّد كيف تمضي الأقليّات تعرف كيف ستتصرّف الأكثرية السنّيّة، أو حدّد كيف يمضي المارد السنّيّ تعرف كيف ستتصرّف الأقليّات.

المشكلة اليوم أنّ الشرق الأوسط الجديد لم يولد بعد، والقديم مات قبل أيّام. فلا المارد السنّيّ يعرف وجهته وما ستؤول إليه الأمور، ويبدو ذلك جليّاً وواضحاً على محيّا النظام الجديد في سوريا رغم الإحاطة السعوديّة تحدبداً: فبينما يقدّم خطاباً مقبولاً بل مطلوباً من فوق، تُرتكب فظائع غير مقبولة بل مرفوضة رفضاً قاطعاً من تحت. النظام السوري يطمئِن من جهة، ويوحي بالاستقرار، ويخيف من جهة أخرى ويبدّد كلّ ثقة. والأقلّيّات لا تعرف أيّ حضن تلجأ إليه.

الخيارات متاحة كلّها ومطروحة أمام الجميع: التقوقع حتّى الفناء، والتعاضد والتحالف بين الأقلّيات، والانفتاح والمشاركة والتجلبب بجلباب المارد الجديد، لكنّها خيارات جُرّبت كلّها ولم تؤتِ أُكُلها، من تحالف بشير الجميّل الماروني مع إسرائيل اليهوديّة إلى تحالف ميشال عون الماروني أيضاً مع سوريا السابقة أي سوريا العلويّة. ومن وقوف كمال جنبلاط في صفّ جمال عبد الناصر إلى الشيخ موفّق طريف و"استعانته" بإسرائيل. ومن دخول الشيعة في البعث إلى دخولهم في ولاية الفقيه. كذلك الأمر مع المارد السنّيّ: من تقبّله وقبوله بكلّ آخر إلى رفضه حتّى ذوي القربى.


والنتيجة؟ مكانك راوح. لا دولة ولا مجتمع ولا قوانين ولا مؤسّسات. أكثر من ذلك، لا حلول سياسيّة ولا تحالفات سياسيّة، بل حلول أمنيّة وأحلاف عسكرية. شرائع وفتاوى تقابلها شرائع وفتاوى مضادّة. فصائل وتنظيمات تقف في وجهها فصائل وتنظيمات مضادّة، وغالباً يتبادلون السلاح والذخيرة لئلّا تنتهي المعركة. فالحرب نتيجتها بعيدة وقد تتأخّر كثيراً وهيهات أن تُحسَم قبل يوم القيامة، لأنّ الصراع وإن لبس لباساً أرضيّاً فهو صراع غيبيّ، صراع وخلاف بين معتقدات وعقائد وحده الله قادر على حسمها.

أين الأوطان والمواطنة من هذا كلّه؟ متى لا تكون أمامنا في هذا الشرق أقليّات وأكثريّة أو أقليّات وأكثريّات بل خيار واحد وحيد: الدولة والمواطنة؟

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3