وعي الأسباب هو المسألة
يسأل اللبنانيّون إلى أيّ لبنان هم ذاهبون في خضمّ التحوّلات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط والتي اتّضحتْ صورتها أكثر مع زيارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الأخيرة إلى السعوديّة والخليج العربيّ؟
فكثير من اللبنانيّين يرون بلادهم على مفترق خطير. ولإدراك وجهة "بلاد الأرز" في زمن التحوّل، لا بدّ من تسليط ضوء الماضي الكاشف على الحاضر والمستقبل. والسؤال الأساسيّ هو التالي: ما الأسباب التي صنعت انتصار المشروع اللبنانيّ على المشاريع الإقليميّة في لبنان طوال 164 عاماً، حافلة بالتحوّلات الداخليّة والإقليميّة والدوليّة الكبرى، من عام 1861، تاريخ ظهور الكيان اللبنانيّ الأوّل إلى اليوم؟ وعي الأسباب، تلك هي المسألة.
لا شكّ في أنّ عامل انتصار المشروع اللبنانيّ، الأكثر رسوخاً وثباتاً، هو العامل الجغرافيّ الطبيعيّ الذي يرتكز إليه، في انبثاقه من فرادة جبل لبنان وشاطئه ومحيطه المباشر، وموقعه المميّز في المشرق. فلو كان هذا الجبل في موقع أعمق في الداخل المشرقيّ، بعيداً أكثر من الشاطئ المتوسطيّ، لَتغيَّر مناخه وبيئته ودعوته ودوره. هذا هو الأساس في نزعة التمايز والحريّة ونوعيّة الحياة والانفتاح الملازمة للمشروع اللبناني على الدوام.
لكنَّ العامل الجغرافيّ، أيّ الطبيعة والموقع معاً، على أهميّته القصوى، لا يكفي من دون النزعة التاريخيّة التي تجسّده. أيُّ نزعة تاريخيّة هي؟ بسبب تعدّد الجماعات المقيمة في جبل لبنان وشاطئه ومحيطه، والصراع الدائم حولها منذ أقدم الأزمان بين قوى الشرق وقوى الغرب، يمكن القول إنّه في "الأزمنة الحديثة"، أيّ منذ القرن السادس عشر إلى اليوم، ولعوامل كثيرة يضيق المكان بذكرها، اختار المشروع اللبنانيّ التجذّر في بيئته وتراثه من جهة، والانفتاح على الغرب من جهة أخرى. لم يكن ممكناً السعي إلى التمايز والحريّة ونوعيّة الحياة والتفاعل الثقافي في "الأزمنة الحديثة"، إلّا بالتوجّه غرباً، لأنّ نهضة الخروج من القرون الوسطى إلى عالم الحداثة، تمّت في الغرب، وأمّنت له تفوّقاً ثقافيّاً وعلميّاً وصناعيّاً وتكنولوجيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً وسياسيّاً، قاده إلى السيطرة طويلاً على المتوسّط والعالم، بينما كانت السلطنة العثمانيّة تتراجع وتنهار.
يبرز هنا التراكم الثقافيّ عاملَ قوّةٍ بالغَ الأهمية في المشروع اللبناني؛ ففي وقت جدّ مبكر، وقبل قرنين من بدء تفاعل مصر مع الغرب بعد حملة بونابرت، كان طلبة جبل لبنان يتلقون علومهم العالية في روما منذ آخر القرن السادس عشر. وكان أمير جبل الشوف، منذ مطلع القرن السابع عشر، يكتشف، محاطاً بأولئك الطلبة، توسكانا، عاصمة النهضة الأوروبيّة. ومن أوّل دلائل هذه الأسبقيّة الثقافيّة أنّ المطبعة الأولى في الشرق ومجمل آسيا ظهرت في جبل لبنان عام 1585، بينما لم تَخرج السلطنة العثمانيّة من رفض الطباعة، إلاّ بعد نحو قرن ونصف، عام 1729.
لقد انتقل المحور الشرقيّ من إسطنبول في القرن التاسع عشر، إلى موسكو في القرن العشرين، إلى بكين وموسكو في القرن الحادي والعشرين. وانتقل المحور الغربيّ من لندن وباريس وبرلين في القرن التاسع عشر حتّى أواسط القرن العشرين، إلى واشنطن، وأكثر فأكثر حتى اليوم. ومن عوامل قوّة المشروع اللبنانيّ استمراره الثابت في الانفتاح على الغرب، بينما اتَّجهت كلّ المشاريع الإقليميّة في لبنان شرقاً، من إسطنبول العثمانيّة، إلى موسكو السوفياتيّة، إلى بكين، منذ عام 1861 حتى المشروع الإيرانيّ الأخير، مروراً بمختلف المشاريع الوحدويّة البعثيّة والناصريّة.
وثمّة عامل قوّة سوسيولوجيّ بالغ الأهميّة في المشروع اللبنانيّ، غير معروف، هو ارتكازه منذ البداية إلى اليوم، في كلّ حراكه، على حيويّة المجتمع أكثر بكثير من جهاز الدولة.
في ظلّ ذلك كلّه، حقَّق هذا المشروع إنجازات حضاريّة، نهضويّة وفكريّة وتعليميّة وأدبيّة وصحافيّة وطباعيّة وفنيّة واقتصاديّة وطبيّة عزَّ نظيرها، فيما عجزت المشاريع الإقليميّة عن تقديم أيّ إنجاز من هذا القبيل.
وأبعد من ذلك، قدّم نمط حياة رفيع النوعيّة، بات هو رجوة شعوب المنطقة، بينما المشاريع الإقليميّة في لبنان لم تقدّم إلاّ نماذج العنف والقمع والاغتيال، إن في الداخل أو في الدول والأنظمة المنتمية إليها.
وفي رهان المشاريع الإقليميّة المتكرّر على الدخول من باب الحريّات اللبنانيّ، للدعوة إلى تحرير القدس وفلسطين، انطلاقاً من لبنان وحده، بمعزل عن عشرات الدول والأمم المعنيّة بذلك، شكّلت تاريخيّاً حركة عبثيّة، بعيدة للغاية من موازين القوى ومن أهداف دعاتها الحقيقيّة، أدّت إلى تكريس الأنظمة القمعيّة في المنطقة باسم فلسطين، وتقوية الدولة العبريّة، وإلحاق الأذى بـ"بلاد الأرز".
وأخيراً، تكمن قوّة المشروع اللبنانيّ أيضاً في ملايين المنتشرين في أنحاء العالم كافّة الذين يحملون وطنهم في قلوبهم.
(صحيفة الشرق الأوسط)