أعداء الضوء
Credits: info3

أعداء الضوء

كانوا يلقبونها «مدينة الأضواء» أو «مدينة النور»، وذلك لكثرة أشعتها وتعدد مناراتها الفكرية. لكن بين حين وآخر، ينزل رعاع باريس إلى الشوارع، يطفئون الأضواء، يحطمون الواجهات الجذابة، يكسرون الهندسات الجميلة، ويشتمون غلاء المعيشة.


قد تكون فرنسا الدولة الأكثر ضماناً في العالم، لكن شبانها هم الأكثر تذمراً أيضاً، صرخة واحدة ويتجمع المحتجون، ضد ماذا؟ ضد أي شيء، كل شيء.


المشكلة أنّ فرنسا بلد عدوى، بلد أضواء، ليست مثل بلجيكا أو هولّندا، كلّ شيء فيها محليّ، محصور، قلّما يصل إلى الصفحة الأولى ويعبر إلى العواصم. هذه باريس، وكل نزف فيها يسمى "ثورة"، وكلّ زجاج محطّم له مسحة فكريّة، أو اقتباس من فرانز فانون، لا شيء ينتهي أو ينقضي هنا.


ما إنْ نزل "الباريسيّون" إلى ساحة الباستيل، مهد الثورة، حتى لاقاهم ثوّار ميلانو ونابولي في إيطاليا، وفروعهم في إسبانيا، وكثيرون من هؤلاء كانوا لاجئين جدداً من وراء البحار، لكنّهم يريدون حصّتهم من المدينة ومن الدولة ومن الحياة اللاّئقة، وهو ما لا تستطيع بلدانهم توفيره. لذلك، تطفوا جثث اليائسين فوق سطوح البحر مع أنّهم دفعوا كاملاً ثمن التذكرة إلى البلاد التي كانت تستعمرهم ذات يوم.


هل تتخيّل لحظة مشاعر الإنسان الذي يرمي نفسه في البحر أمام مستعمره السابق؟ هل تتخيّل كيف يفكر اليوم في مناضلي الأمس؟ وكيف خذلوه في كلّ شيء، كلّ شيء جميل ماتوا من أجله، الحريّة والعلم والكرامة البشريّة؟


هناك مدنيّون كثيرون في هذه الصورة، الخامل والمتخاذل وصاحب المستقبل، أيّ الذي استحقّ الشراكة في بناء عالم أفضل قائم على الفرص والمساواة والقانون.


ما الذي يريده متظاهرو فرنسا حقاً؟ ولماذا إحراق المباني الجميلة في مدن الجمال؟ الرعاع لا يعرفون عن البناء شيئاً... إنهم وكلاء التدمير عبر العصور.


(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3