الساق على السياق
أثار الزعيم جبران باسيل عاصفة أخرى في بلاد الغبار عندما وصف "حزبالله" بأنّه "مكحكح". ونشط المفسرون والمنجدون فوراً في شرح هذا الإبداع البلاغيّ، وتباينت آراء النحاة، مع الاتفاق على أمر واحد، هو مصدر الكلمة: كحكح، أيّ افتقر فقراً وتمسكن فهو يكحكح.
لكن خبراء الأحوال اللبنانيّة السعيدة بزعمائها لم يتوقّفوا عند المجاز اللغويّ بقدر ما توقفوا عند الإعجاز السياسيّ، فالمعروف أنّ حلفاً ثابتاً كان يجمع بين "العونيّين" و"الحزب". وبموجب ذلك الحلف، انتقل الجنرال ميشال عون من موقع الرجل الذي يريد أن "يكسر رأس حافظ الأسد" إلى موقع الرئيس الذي يقوم بزيارته الأولى لسوريا.
عرفت العلاقة السوريّة – العونيّة مرحلة من الازدهار ودوام النعم. وبدا واضحاً أنّه عندما ينتهي عهد ميشال عون سوف يبدأ عهد العائلة إلى الأبد. وكعادته تقبّل لبنان الواقع الجديد على ما هو. ثمّ تغيّرت الأشياء على نحو دراماتيكيّ مع حرب 7 أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023 وانضمام "الحزب" إليها في الثامن منه. أحرج ذلك العونيّين أمام جمهورهم فأخذوا يحاولون الخروج من الاتفاق بزعامة باسيل كالعادة، لكن ذلك لم يكن سهلاً، فمن دون "الحزب" يفقد العونيّون الكثير جدّاً فوق ما فقدوه.
وأخذ باسيل يتخبّط في المواقف إلى أن حملته براعته اللغويّة إلى الفعل تكحكح وطابت له الرنة الموسيقيّة "ك.ح.ك.ح" غير أنّ ردّة الفعل في الوسط السياسيّ المتأهّب كانت سريعة. أيّها الزعيم، اسحب كلامك، أيّها الزعيم، "رئيس المعارضة" كما أعلن نفسه، لكن الزعيم الفائق البراعة لجأ إلى الحلّ التقليديّ. أعلن أنّ كلامه سحب من سياقه فكان أن ساقه على غير سياقه، كما يحدث دائماً للكلام المباح في غرة الصباح.
(صحيفة الشرق الأوسط)