حصاد الفوضى
جزء من المسؤوليّة عن هذه الفوضى العالميّة العارمة سببه نقل العمل الديبلوماسيّ والسياسي من أيدي الخبراء والبيروقراطيّين إلى أيدي الأنسباء والأصدقاء. إنّ المجموعة التي تتولّى السياسة الخارجيّة في كبرى دول العالم، في حاجة إلى أن تكون على دراية وافية في طبيعة القضايا السياسيّة التي تواجه عالم اليوم وتغرقه في فوضى مرعبة.
ولذلك، رأينا الإخفاقات تتتالى، من غزّة ولبنان، إلى التعثّر في المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة. وأدّى هذا النقص الكبير في المعرفة إلى تراجع شديد في موقع أميركا بين الأمم، وكان أكبر دليل على ذلك قمّة ترامب وشي في بكّين، إذ بدا الرئيس الصينيّ النجم الأوّل في القمّة. وزيادة على ذلك، ما إن غادر ترامب الصين حتى استضاف البلاط الإمبراطوريّ القيصر الروسيّ فلاديمير بوتين. إذ منيت الديبلوماسيّة الارتجاليّة بصدمتين خلال أيّام: الضربة الصينيّة غير المباشرة والمماطلة الإيرانيّة المدمّرة للأعصاب في سوق "البازار".
هذه مرحلة في تاريخ العالم تحتاج إلى رجال مثل جورج ف. كينان صاحب نظريّة الاحتواء.
في حين أنّ أكثر القضايا تعقيداً أحيلت إلى رجال أعمال بلا أيّ خلفيّة سياسيّة. ورأى ترامب نفسه على خصام مع جميع حلفاء أميركا التقليديّين، بمن فيهم حلف "الناتو"، بينما تجمعه علاقة شراكة مع بنيامين نتنياهو في مواجهة العديد من الأطراف حول العالم.
أيّ مؤسّسة عريقة، مثل الخارجيّة، كانت ستقدّم إلى الرئيس نوعاً آخر من النصائح. تلك المؤسّسات، أو "الدولة العميقة" في لغة اليوم، كانت ستحمي البيت الأبيض من عثرات الارتجال. تلك المؤسّسات مكّنت الممثل السابق رونالد ريغان من حسم الحرب الباردة مع روسيا. وخلال ولايتين ناجحتين، كان سلاح ريغان الأهمّ تحويل هفواته وعثراته إلى نكات. فمن يراجع حقبة ريغان اليوم، يرى أنّه أمام رجل مذهل في الاجتهاد، وأنّه عوّض نقص معارفه بالاتكال على معارف سواه.
(صحيفة الشرق الأوسط)