لبنان بين التريّث والهجمة الديبلوماسيّة
رحّب مجلس الوزراء اللبنانيّ، الأسبوع الفائت، بخطّة الجيش لتنفيذ المرحلة الثانية من عمليّة حصر السلاح في يدّ الدولة، التي تغطّي المنطقة الواقعةَ بين نهريّ الليطاني والأوّلي. الانطباع الأوّل، بحسب ما صدر عن الحكومة، يوحي بأنَّ الخطّة يمكن وصفها بالمطاطيّة، إذ تحدّثت عن مهلة تمتدّ "من 4 إلى 8 أشهر إذا توافرت العوامل المساعدة نفسها، وتوافرت الإمكانات، وتوقّفت الاعتداءات الإسرائيليّة". ما صدر عن الحكومة يميل إلى الموقف السياسيّ أكثر منه إلى الخطة العملانيّة الواضحة، ممّا ترك مساحة للالتباس بين مطلق العمليّة المحصورة في المنطقة بين النهرين أو امتدادها إلى كامل الأراضي اللبنانيّة.
التريّث يبدو الثابت الوحيد في الأداء الحكوميّ تجاه ملف السلاح خصوصاً، ومستقبل العلاقة مع إسرائيل ودور لبنان في الصراع العسكريّ معها. هذا التريث يجد ما يبرّره إقليميّاً ودوليّاً مع تمهّل الولايات المتحدة في نزاعها مع إيران، وحديثها عن مُهل تمتدّ أسابيع وفرص للتسويات بقدر ما تشير إلى احتمال الحرب.
إنّما تروِّي السلطة اللبنانيّة ليس جديداً، فمنذ أيّامها الأولى، بدا خطابها متأثراً بتحوّلات المنطقة: يتشدّد حيناً، ويلين أحياناً، وهي اليوم، كما يبدو، تنتظر نتائج المفاوضات بين واشنطن وطهران. وهنا مكمن الخطر، إذ إنّ الرهان على نتائج المفاوضات أو الحرب من دون تحصين الداخل أو التحوّط للمفاجآت، سلبيّة كانت أم إيجابيّة، يبدّد فوائد التريّث، بدل أن يعزّزها.
يواجه لبنان راهناً رغبة أميركيّة - إسرائيليّة في رفض التفاوض عبر "الميكانيزم"، والإصرار على مفاوضات سياسيّة حكوميّة مباشرة عبر وزير عن كلّ طرف، وبرعاية السفيرين الأميركيّين في بيروت وتلّ أبيب، إلاّ أنّ هذه الرغبة لم تتقدّم بما يكفي بسبب تطوّرات المنطقة التي خفّضت مستوى الاهتمام الأميركيّ بلبنان، مقابل تصاعد التوتر مع إيران. فكيف يمكن للبنان التعامل مع هذا الضغط؟ وماذا لو تعثّرت المفاوضات مع إيران، وعادت احتمالات الضربة الإسرائيليّة لـ"حزبالله"؟ وما الضمان بأن تكون نتائج أيّ تسوية لصالح لبنان، لا سيّما إذا اقتصرت على صفقة نوويّة لا تحسم أدوار أذرع إيران في المنطقة؟
هل المطلوب الاستمرار على الوتيرة المعهودة، ومراعاة التوازنات الداخليّة والمحافظة على "الستاتيكو" بانتظار انفراج خارجيّ؟ قد لا تكون الفرصة المتاحة للبنان لتسريع نزع سلاح "حزبالله" طويلة، خصوصاً في ظلّ مرحلة الضعف والقلق التي يمر بها نتيجة أوضاع إيران واحتمال تراجع الدعم، إضافة إلى التهديدات الإسرائيليّة وضبابيّة المشهد الإقليميّ.
ورغم التصريحات اللبنانيّة الرسميّة الأكثر جرأة بشأن السلاح، لا توجد حتى الآن خطوات عمليّة جديّة، ولم يقدّم الجيش خطّة واضحة للمرحلة الثانية بفعل العوائق السياسيّة الداخليّة أكثر منه بفعل الجهوزيّة العسكريّة. هذا التأخير قد يضيع فرصة نادرة أوجدتها الأزمة الإيرانية، والسعي لتسريع المساعدات العسكرية من مؤتمر باريس وأميركا، واستهداف البنية المالية لـ«حزب الله»، كما أن المماطلة قد تؤدي إلى تصعيد عسكري إسرائيلي في الأشهر المقبلة.
يحتاج لبنان إلى ما هو أبعد من المهلة المطاطية والغموض في ملف حصر السلاح شمال الليطاني. المطلوب دبلوماسية نشطة ومتعددة المسارات تهدف إلى إعلان وقف حال الحرب، وإحياء اتفاقية هدنة 1949 بصيغة مطورة. هذا الطرح لم يعد من المحرّمات، بل بات يُناقش رسميّاً وشعبيّاً، فمنذ وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أصبحت فكرة الخروج من الصراع العسكريّ مطروحة في الخطاب العام، بما في ذلك في المناظرات الإعلاميّة.
تستند هذه النقلة الديبلوماسيّة إلى جملة عوامل. أوّلاً أنّها لا تعني التطبيع كما يروّج البعض، بل تثبيت الاستقرار. ثانياً، أنّها تفيد من عزلة "حزبالله" داخليّاً وملامح تراجع شعبيّته وقدراته العسكريّة، ممّا قوَّض خطاب "المقاومة"، وأقنع شريحة واسعة من بيئته ومن اللبنانيّين بأنّ إنهاء الأعمال العسكريّة هو السبيل الوحيد لوقف الحروب المتكرّرة. وثالثاً، أنّها تتقاطع مع توجهات إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة تشكيل النظام الإقليمي.
ويشار في السياق إلى أنّ رئيس الجمهوريّة جوزف عون تحدّث في خطابه أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة عن السلام، داعياً إلى محادثات غير مباشرة، ومؤكدّاً أنّ لبنان "لا يمكن أن يكون خارج المسار الحاليّ في المنطقة، وهو مسار حل الأزمات".
العقبات التي ينبغي تذليلها أمام هذه المقاربة كثيرة، أبرزها سلاح "حزبالله". ويتوقف هذا على دور رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، إضافة إلى قوى أخرى حليفة لإيران.
قد تكون البداية الواقعيّة في قبول الإطار التفاوضيّ الأميركيّ، والانطلاق في مسار تدريجيّ يشمل ترسيم الحدود البريّة، والضغط لإعادة إعمار القرى المدمّرة، والانسحاب الإسرائيليّ التدريجيّ، وإطلاق الأسرى، والبحث في إعادة تشغيل خط التابلاين لتخفيف أزمة الطاقة المزمنة في لبنان.
إنّ الفشل في المضي في هذه الديبلوماسيّة والاستمرار في المراوحة سيؤديان إلى خفوت الدعم الأميركيّ العسكريّ والسياسيّ، واستمرار الإحجام العربيّ، وزيادة مخاطر حرب لنزع سلاح "حزبالله" بالقوّة.