ما الذي يريد بارّاك أن يعطيه لـ
Credits: INFO3

ما الذي يريد بارّاك أن يعطيه لـ"حزبالله"؟

لم تعد تصريحات المبعوث الأميركيّ إلى سوريا ولبنان توم بارّاك تفصيلاً لا يجدر التَّوقف عنده، إذ باتت تتجاوز زلة اللسان أو التلميح العرضيّ، حتى أصبح وصفها بالسذاجة السياسيّة هو في حدّ ذاته سذاجة. بارّاك هو مبعوث رسميّ للدولة الأقوى في العالم، وينبغي مقاربة كلامه من هذه الزاوية.

بدأ سيل مواقف بارّاك عندما قال لصحيفة "ذا ناشيونال"، إنّ "لبنان يواجه خطر الوقوع في قبضة القوى الإقليميّة ما لم يتحرّك لمعالجة مخزونات أسلحة "حزبالله".

وقال بعدها: "إذا لم يتحرّك لبنان، فسيصبح مرّة أخرى بلاد الشام".

وفي الزيارة الأخيرة، أقرّ بارّاك بالمباشر بدور إيران في لبنان بوصفها "جارّاً لا يمكن تجاوزه". 

وأضاف بلغة ديبلوماسيّة: "لا يمكن لحزبالله أن يأخذ شيئاً من دون تقديم مقابل"، للقول سياسيّاً إنّ "حزبالله لن يعطي شيئاً من دون مقابل.

إذا استبعدنا السذاجة السياسيّة، مجمل كلام برّاك يدلّ، إمّا على تخبّط وضبابيّة الرؤية لدى الإدارة الأميركيّة، وإمّا عدم التنسيق بدرجة كافية مع إسرائيل، والنتيجة تشي بأنّ لبنان من جديد ليس من ضمن أولويّات الإدارة الأميركية، ويتمّ التعاطي معه بخفّة.

تحاول وسائل الإعلام اللبنانيّة في معظمها الترويج لأهمية زيارة بارّاك الأخيرة بالنسبة للمقررات الحكوميّة بشأن حصريّة السلاح، متجاهلة المعاني المستترة في تصريحاته عن "حزبالله" وإيران، في وقت تستدعي فيه هذه المواقف نتائج على أكثر من صعيد؛ فهي أوّلاً احتوت ما قاله الأمين العام لـ"حزبالله" نعيم قاسم في كلمته الأخيرة "بمنع الحياة" في لبنان إذا مسَّ بسلاح "حزبالله"، وأنّه لا وجود له من دون المقاومة. بكلامه، كاد بارّاك أن يقدّم مكافأة إلى "حزبالله" لتدميره على مدى عقود البشر والحجر نتيجة مغامراته في الداخل والخارج، واعتبرها كأنّها لم تكن. إلى ذلك، أتت هذه المواقف لتكبح الاندفاعة الرسميّة النادرة لتنفيذ حصريّة السلاح بعد تسلّم خطّة الجيش بهذا الشأن، لتفتح الباب أمام ما عهدناه في الحياة السياسيّة لهذا البلد، أيّ التأجيل أو تدوير الزوايا أو التعابير الملتبسة وحمّالة الأوجه. محصّلة كلام بارّاك توحي بأنّه يطرح مكاسب للبيئة الشيعيّة تحصيناً لمكانة وموقع الطائفة ضمن النظام اللبنانيّ، بينما في الواقع، وبحسب ميزان القوّة الراهن، يكرّس "حزبالله" وصيّاً على الطائفة وممثّلها الأوحد، ولو بتناغم ظاهر مع حركة "أمل". بمعنى أوضح، اختصر المبعوث الأميركيّ الشيعة بـ"حزبالله" وفي أحسن الأحوال بالثنائي "أمل – حزبالله"، متجاهلاً الشرائح الشيعيّة المناهضة لهما على أهميّتها، إضافة إلى كل نتائج هذه السياسة على الاجتماع اللبنانيّ.

لم يُفهم من بارّاك ما تريده واشنطن من الشيعة، هل التحرّر من "حزبالله" المسلّح، لكن البقاء تحت سطوته من دون سلاح، غير آبهة بآيديولوجيا "حزبالله" وبعلاقته العضويّة بإيران وتأثيرهما؟ ها هو بارّاك يستحضر إيران شريكاً بوصفها جاراً للبنان، متجاهلاً موقف الحكم السوريّ الجديد منها، بينما يدعو لبنان إلى تسوية تاريخيّة مع سوريا الجديدة التي أبعدت إيران نهائياً بعد سقوط نظام الأسد.

الواقعيّة السياسية تقتضي الاعتراف بأنه يصعب القفز فوق "حزبالله" ومحيطه في أيّ تسوية مقبلة، وحصريّة السلاح هي قضيّة واحدة من جملة مشكلات أخرى متعدّدة مع "حزبالله ومحيطه، منها ما يتعلّق بنهائية وقف العمليّات العسكريّة ضد إسرائيل من لبنان وموقف لبنان من النزاع الإسرائيليّ - الفلسطينيّ بعامة. يضاف إلى ذلك طبيعة العلاقة بين "حزبالله" وإيران، التي هي كما ذكرنا أكثر من مرّة، مركّبة ومعقّدة ومتعدّدة الأوجه دينيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً، وأقلّها خطراً على الاجتماع اللبنانيّ هو السلاح القابل للتسوية على عكس القضايا الشائكة الأخرى.

وتقتضي أيضاً، رفض التسويات الناقصة التي تحمل في باطنها بذور نزاعات قديمة وأخرى مستجدة لتأثيرها السلبي في تركيبة الاجتماع اللبنانيّ. إنّ الاعتراف بـ"حزبالله" وحتى بالثنائيّ ممثلاً للشيعة، ستكون له انعكاسات لعل السفير بارّاك يجهلها، وستؤثر في المؤسّسات العامّة والقوى الأمنيّة والتربية والكثير غيرها من المجالات بفعل آيديولوجيّا "حزبالله" وعقيدته الدينيّة المتشدّدة وروابطه الوثيقة مع الحكم الإيرانيّ.

في المحصلة، تصريحات بارّاك بالصيغة التي صدرت ليست بريئة ولا عرضيّة، بل ضبابيّة في الموقف الأميركي. الخوف أن يكون رأس جبل الجليد يخفي إعادة نظر ترصدها الإدارة الأميركيّة على ضوء مصالحها وأهدافها في المنطقة.

سبق في هذه الزاوية بالذات في الثالث من أغسطس (آب) الحاليّ وتحت عنوان "ربع ساعة تشاؤم وربع ساعة تفاؤل، لغز توم بارّاك"، أن كتبنا: "من غير المستبعد أن تكون هذه السذاجة السياسية الظاهرة عند السيّد بارّاك غطاءً لتحرّكات أكثر تعقيداً تتجاوز الأطر الرسميّة، وتستند إلى تفاهمات ضمنيّة يجري نسجها بهدوء في الكواليس"... تحدث "تنازلات ميدانيّة من حزبالله مقابل ضمانات سياسيّة أميركيّة". 

يبقى على السلطة اللبنانيّة، وضمن فنّ الممكن، عندما تعطي "حزبالله" أن تتشدد في ما سوف تأخذه منه، وأوّل بند في اللائحة ينبغي أن يكون موافقته على خروج لبنان نهائيّاً من الأعمال القتاليّة خارج حدوده، والاعتراف بالهدنة الدائمة مع إسرائيل.

(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3