المشرق... السيادة والرهانات على الدولة الوطنيّة
يبدو لبنان، كما جواره المشرقيّ، واقعاً في قلب تحوّلات تطبعها ضغوط متزايدة عنوانها "اليوم التالي" لانحسار محور الممانعة وتفكّك وحدة الساحات، وهي وحدة كانت تُقدَّم سابقاً كإطار استراتيجيّ عابر للحدود، لكنّها باتت اليوم عبئاً على السيادات الوطنيّة، بعدما تآكلت قدرتها على التماسك في وجه الاستحقاقات السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة، وتراجعت فعاليّتها في سياق الصراعات المستجدّة في الإقليم.
وفي هذا الإطار، يصبح من الصعب فهم المسار المتعثّر لاستعادة الدولة اللبنانيّة سيادتها وشرعيّتها الدستوريّة ما لم نضعه ضمن معادلة دقيقة: الدولة لا يمكن أن تكون شريكاً في السلاح أو العنف، بل هي صاحبة الحقّ الحصريّ في استخدام القوّة المشروعة لحماية المواطنين وحفظ النظام العام، كما نصّت عليه الدساتير والمواثيق الدوليّة.
ما أعقب هجمات "طوفان الأقصى"، فتح نافذة نادرة، وربّما تاريخيّة، للتفكير بجدّية في إنهاء حال الازدواجيّة بين الدولة والحركات ما دون الدولة، وهي ازدواجيّة تحوّلت مع الوقت إلى تعطيل الدولة وتفتيت مؤسّساتها، خصوصاً عندما تكون هذه الحركات مذهبيّة.
ورغم ما يُقال عن بداية تعافي لبنان، ما زال هذا المسار هشّاً وتعتريه عقبات حقيقيّة، يتجلّى أبرزها في استمرار "حزبالله" في فرض تفسيره الخاص للقرار الأمميّ 1701، ممّا يُفرغه من مضمونه السياديّ، إذ يُحدّد مجال تطبيقه جغرافيّاً بجنوب الليطانيّ، في حين يواصل "حزبالله" الإمساك بقراره العسكريّ بمعزل عن الدولة. صحيح أنّه سلّم جزءاً من مراكزه وعتاده في الجنوب، لكن التسليم الجزئيّ لا يرقى إلى مستوى إعادة الاعتبار إلى سيادة الدولة، ولا يقنع الأطراف الدوليّة المفترض أن تساهم في الإعمار، وفي طليعتها صندوق النقد والدول الراعية لنهضة لبنان.
سلاح "حزبالله" يبقى أصعب عقدة، على الرغم من شبه إجماع سياسيّ رسميّ وحزبيّ وشعبيّ على ضرورة تسليمه وانخراط الحزب في الحياة السياسيّة. وتبرز هنا إشكاليّة أدق وأشمل من السلاح، هي المقاومة المسلّحة شكلاً ومضموناً وموقف الدولة الرسميّ منها، من دون موقف رسمي من نهاية دور لبنان في المقاومة المسلّحة من حدوده، والالتزام الكامل بالاتفاقات الموقّعة وتطويرها إلى هدنة دائمة على غرار هدنة 1949. بانتظار ما ستؤول إليه التطورات العربيّة، يبقى لبنان معلّقاً في الهواء ينتقل من منطقة رماديّة إلى أخرى، ويتلطّى خلف صياغات جلّها حمّال أوجه.
وعليه، تكمن المهمّة الأساسيّة للعهد الجديد في إعادة الاعتبار لـ"اتفاق الطائف"، لا بوصفه وثيقة دستوريّة فحسب، بل كعقد وطنيّ يحفظ التوازنات، ويمنع الانزلاق إلى صراعات الصلاحيّات وتجاوز المؤسّسات. وهذا يقتضي تفاهماً حقيقيّاً بين رئاسة الجمهوريّة والحكومة والبرلمان، لتكريس ثقافة الشراكة داخل الدولة، وقطع الطريق على أوهام استعادة ما قبل "الطائف"، أو اجترار أخطاء العهود السابقة.
أمّا على الساحة السوريّة، فلا بدّ من بناء خطاب وطنيّ جامع. كما أنّ العدالة الانتقاليّة، بوصفها مدخلاً رئيساً لتضميد جراح الحرب وإعادة بناء الثقة، لم تبدأ بعد. إنّ الرعاية القائمة اليوم، قد تفتح أمام النظام نافذة جديدة، لكنّها تظلّ مشروطة بقدرته على إظهار تحوّل حقيقيّ في بنيته ورؤيته، ذلك أنّ الشرعيّة العربيّة التي يُفترض أن يحصل عليها لا تُمنح مجاناً، بل يجب أن تُبنى من جهة على أساس قطيعة واضحة مع مشاريع مستوردة، والحصانة من عودة المشاريع الساعية إلى تجديد نفوذها الإقليميّ. ومن الجهة الأخرى، التحوّل إلى قيادة وطنيّة جامعة تحتضن التنوّع السوريّ.
وفي الأردن، كُشفت خطط تمّ إحباطها في اللحظات الأخيرة كانت تستهدف المساس باستقرار الدولة تحت ذريعة دعم فصائل المقاومة في غزّة، وفتح جبهة في الضفّة الغربيّة. محاولات، وإن أُفشلت، فهي تُظهر حجم المخاطر التي قد تنجم عن التوظيف الدائم لفلسطين كأداة لاختراق الأمن الإقليميّ والوطنيّ، وتقديم ذرائع مجانيّة لإسرائيل لتبرير ممارساتها الوحشيّة.
في المحصّلة، يواجه المشرق استحقاقاً مفصليّاً: إمّا الخروج من زمن المحاور المتأكِّلة والدخول في زمن السيادة الوطنيّة والمؤسّسات، وإمّا الاستمرار في الدوران في فلك أزمات تستنزف الأوطان، وتُغذّي خطاباً راديكاليّاً فقد مبرّرات البقاء. الضغط الإقليميّ والدوليّ الحاليّ قد يفتح نافذة لتحجيم دور الميليشيات، لكنّه غير كافٍ وحده، الأمر يتطلّب مشروعاً وطنيّاً يضع السيادة أوّلاً. والتاريخ علّمنا أنّ الميليشيات لا تتخلّى عن سلاحها، إلاّ إذا تحقّقت معادلة قاهرة: ضعف داخليّ، وضغط خارجيّ، وبديل وطنيّ قويّ، لأنّ الخطر الحقيقيّ لا يكمن في وجود الميليشيات فقط، بل في ضعف البيئة السياسيّة والديموقراطيّة الذي يسمح بتحوّل أيّ تيّار إلى قوّة مهيمنة أو متطرّفة.
(صحيفة الشرق الأوسط)