السلام المؤجّل: الاستثناء الأمني في إسرائيل كسياسة دائمة
Credits: info3

السلام المؤجّل: الاستثناء الأمني في إسرائيل كسياسة دائمة

"أنا يا صديقتي متعب بعروبتي  فهل العروبة نقمة وعقاب"

(نزار قباني)

 

منذ تأسيس إسرائيل سنة 1948، كان الحديث عن السلام موجوداً دائماً في خطاب قادتها، لكنّه ظل في معظم الأحيان سلاماً مشروطاً بلحظة أمنيّة مثاليّة مؤجّلة إلى زمن مجهول. كانت حجة قادتها المتكرّرة هو أنّ الدولة تواجه خطراً استثنائيّاً، وأنّ معالجة الحدود واللاّجئين والأرض والحقوق الفلسطينيّة يجب أن تنتظر زوال هذا الخطر. غير أنّ الاستثناء طال، وتغيّرت مصادر التهديد، وتعاقبت الحروب والحكومات، بينما بقي التأجيل ثابتاً. وهكذا، تحوّلت المرحلة الموقّتة إلى بنية دائمة لإدارة الصراع من دون تسويته.

لا يعني ذلك أنّ كلّ الحكومات الإسرائيليّة اتّبعت سياسة واحدة، أو أنّ كلّ مبادرات السلام كانت خداعاً. فقد عقدت إسرائيل معاهدتيّ سلام حقيقيّتين مع مصر والأردن، وخاض إسحق رابين مساراً تفاوضيّاً حمل إمكانيّة تحوّل تاريخي قبل اغتياله، لكن قراءة المسار العام تكشف نمطاً متكرّراً هو قبول السلام عندما يعزّز أمن الدولة وشرعيّتها الإقليميّة، مع مقاومة السلام الذي يفرض عليها حسم حدودها، وإنهاء الاحتلال، وتفكيك المستوطنات، والاعتراف بحق الفلسطينيّين في تقرير مصيرهم.

يرى كارل شميت أنّ صاحب السيادة هو من يقرر متى توجد حال استثنائية تتيح تعليق القواعد العادية باسم حماية الدولة. أما جورجيو أغامبن فيحذر من تحوّل هذا الاستثناء المؤقت إلى أسلوب دائم في الحكم، بحيث تصبح هي النظام الدائم. وعند تطبيق هذا المنظور على إسرائيل فمن الواضح أن السياسة الإسرائيلية استخدمت منطقًا مشابهًا مبنيًا على أن التهديد الأمني يؤجل التسوية، وتأجيل التسوية يعيد إنتاج التهديد، والتهديد المتجدد يبرر استمرار الاستثناء.

 

بن غوريون: الدولة التي وُلدت في الطوارئ

نشأت إسرائيل في قلب حرب 1948، فكان الأمن جزءًا تأسيسيًا من هويتها السياسية. أُعلنت حال الطوارئ بعد قيام الدولة بأيام، واستمرت تتجدد لعقود طويلة. كما خضع المواطنون الفلسطينيون داخل إسرائيل للحكم العسكري حتى سنة 1966، رغم حصولهم رسميًا على الجنسية. كانت الدولة تمارس الديمقراطية داخل المجتمع اليهودي، بينما تدير السكان العرب بمنطق أمني استثنائي يقوم على تقييد الحركة ومصادرة الأراضي والرقابة. أدرك دافيد بن غوريون أهمية كسب الوقت لبناء الدولة واستيعاب المهاجرين اليهود وتشكيل الجيش وتثبيت الوقائع الديموغرافية والجغرافية بالقوة. لم يكن رافضًا لكل أنواع التفاوض، لكنه لم يتعامل مع التسوية باعتبارها التزامًا بإعادة النظر في نتائج حرب 1948. أصبحت قضية اللاجئين الفلسطينيين مؤجلة إلى مفاوضات مستقبلية، بينما كانت الوقائع الناتجة من نكبتهم تُرسَّخ على الأرض، من خلال التهويد وهدم معالم الوجود التاريخي للفلسطينيين ودفعهم للهجرة حتى من أراضي 1948.

بهذا المعنى، أصبح استثناء وسيلة لترسيخ نتائج الحروب من احتلال وتغيير المعالم السكانية. كان السلام مقبولًا إذا اعترف العرب بالواقع الجديد الذي فرضته الحرب، لكنه لم يكن يعني في أي لحظة معالجة جذور الصراع أو قبول عودة اللاجئين أو تقاسم السيادة. لقد أُنجز الصهاينة بناء الدولة في الزمن الذي أتاحه غياب الحل المدعو عادلاً ودائماً.

 

أضافت حرب حزيران 1967 مستوى جديدًا من الاستثناء. فقد سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة وسيناء والجولان. كان من الممكن النظر إلى الاحتلال بوصفه وضعًا عسكريًا مؤقتًا ينتهي بتسوية قريبة، لكن غياب القرار بشأن الحدود النهائية سمح بتحويل الأرض المحتلة إلى مجال مفتوح لإنتاج الوقائع. ظهرت المستوطنات أولًا تحت مبررات أمنية، ثم توسعت بدوافع دينية وقومية واقتصادية. وكلما زاد عدد المستوطنين والبنى التحتية المرتبطة بهم، أصبحت التسوية أكثر كلفة سياسيًا. هكذا نشأت دائرة محكمة في أن يؤجل الحل بسبب انعدام الأمن، وخلال التأجيل يتوسع الاستيطان، ثم يصبح وجود المستوطنات سببًا إضافيًا لتعقيد الحل.

شكلت خطة ألون بعد حرب 1967 مثالًا واضحًا على التفكير القائم على إدارة الأرض بدلاً من حسم مستقبلها. فقد سعت إلى الاحتفاظ بمناطق استراتيجية مع تجنب ضم الكثافة السكانية الفلسطينية كاملة. كانت الغاية امتلاك الأرض الضرورية أمنيًا مع تقليل المسؤولية السياسية عن سكانها. ومن هنا بدأت صيغة ستتكرر لاحقًا هي السيطرة الفعلية من دون ضم شامل، وحكم السكان من دون منحهم مواطنة أو سيادة.

أثبتت معاهدة السلام مع مصر سنة 1979 أن إسرائيل تستطيع الانسحاب من أرض محتلة عندما تتوافر الإرادة والضمانات السياسية. أعاد مناحيم بيغن سيناء كاملة وفكك المستوطنات فيها، لأن السلام مع أكبر دولة عربية حقق مكسبًا استراتيجيًا هائلًا.لكن المسار الفلسطيني في اتفاقات كامب ديفيد اتخذ شكل الحكم الذاتي الانتقالي بدل الدولة والسيادة. جرى فصل السلام المصري عن الحل الفلسطيني النهائي. وبذلك حققت إسرائيل السلام مع الدولة العربية الأقوى، بينما بقيت القضية الفلسطينية خاضعة لمفاوضات مؤجلة وشروط أمنية متحركة.تكشف هذه المقارنة أن العقبة لم تكن دائمًا رفض الانسحاب من حيث المبدأ. فعندما أدى الانسحاب إلى سلام بين دولتين واضحتَي الحدود، أمكن تنفيذه. أما التسوية الفلسطينية فكانت تستدعي أسئلة أشد عمقًا حول الأرض والهوية والديموغرافيا والقدس واللاجئين ولذلك بقيت مؤجلة.

 

أوسلو: حين ابتلع الانتقالُ الحلَّ النهائي

مثّلت اتفاقات أوسلو سنة 1993 أهم محاولة لكسر هذا المنطق. اعترفت منظمة التحرير بإسرائيل، واعترفت إسرائيل بالمنظمة ممثلًا للفلسطينيين، ونشأت سلطة فلسطينية انتقالية. كان يفترض أن تستمر المرحلة الانتقالية خمس سنوات، وأن تقود مفاوضات الوضع النهائي إلى تسوية قضايا القدس والحدود واللاجئين والمستوطنات والأمن. لكن أوسلو أدت إلى تأجيل أصعب المسائل بدل أن تحسم مبادئ حلها منذ البداية. وقد أدى ذلك إلى بناء سلطة فلسطينية تدير السكان في مناطق محدودة، بينما بقيت إسرائيل تتحكم في الحدود والمجال الأمني ومساحات واسعة من الضفة. كما استمر توسع المستوطنات أثناء المفاوضات.

كان رابين قد بدأ انتقالًا حقيقيًا، وإن كان حذرًا وغير مكتمل، من إدارة الفلسطينيين بالقوة المباشرة إلى الاعتراف بهم طرفًا سياسيًا. لكن اغتياله سنة 1995، ثم العمليات المسلحة الفلسطينية وصعود اليمين الإسرائيلي، أعادت الأمن إلى مركز العملية. صار يُطلب من الفلسطينيين إثبات قدرتهم على توفير الأمن قبل التقدم السياسي، بينما كان غياب التقدم يقوض شرعية القيادة الفلسطينية ويغذي المقاومة. وهكذا أصبح كل طرف ينتظر من الآخر توفير شروط التسوية قبل تنفيذ التزاماته.

تحولت المرحلة الانتقالية إلى مقصد دائم. وبدل أن تكون السلطة الفلسطينية جسرًا إلى الدولة، أصبحت جزءًا من نظام إدارة الاحتلال بأن تتحمل أعباء الخدمات والأمن الداخلي، فيما تحتفظ إسرائيل بعناصر السيطرة السيادية. كان يفترض أن تنتهي المرحلة الانتقالية سنة 1999، لكنها ما زالت، بأشكال مختلفة، قائمة حتى اليوم.

مع وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة سنة 1996، انتقل التأجيل من خلل في عملية السلام إلى سياسة أكثر انتظامًا. لم يلغ نتنياهو أوسلو رسميًا، لأن إلغاءه كان سيحمّل إسرائيل كلفة دولية وأمنية كبيرة. لكنه أخضع أي تقدم لمفهوم فضفاض هو المعاملة بالمثل وهو أن لا انسحاب أو تفاوض من دون إثبات فلسطيني مستمر للالتزام الأمني.

 

وفي خطاب بار إيلان سنة 2009 أعلن قبولًا مشروطًا بدولة فلسطينية منزوعة السلاح. غير أن سياسات حكوماته، ولا سيما التوسع الاستيطاني ورفض السيادة الفلسطينية الكاملة، جعلت هذا القبول أقرب إلى إدارة الضغط الدولي منه إلى برنامج تنفيذي. وفي تموز 2024 صوّت الكنيست بأغلبية كبيرة ضد إقامة دولة فلسطينية، بما في ذلك من خلال تسوية تفاوضية، ما أظهر انتقال الرفض من خطاب اليمين إلى موقف مؤسسي واسع. حتى الانسحاب الأحادي من غزة سنة 2005 لم يُدرج في تسوية تنهي الصراع وتحدد السيادة والحدود. انسحبت إسرائيل من داخل القطاع وفككت مستوطناته، لكنها أبقت عناصر واسعة من التحكم الخارجي. وبعد سيطرة حماس سنة 2007، تحول القطاع إلى مساحة حصار ومواجهة دورية. صار غياب التسوية دليلًا على استحالة السلام، مع أن الانسحاب نفسه نُفذ خارج اتفاق قادر على بناء نظام سياسي مستقر.

ثم جاءت الاتفاقات الإبراهيمية لتقدم صيغة جديدة مبنية على تحقيق السلام الإقليمي من حول الفلسطينيين بدل تحقيقه معهم. فقد طبعت إسرائيل علاقاتها مع دول عربية من دون إنهاء الاحتلال. وهكذا أمكن تقديم الاندماج الإقليمي بوصفه دليلًا على أن القضية الفلسطينية لم تعد شرطًا للسلام، بينما تحولت المسألة الفلسطينية من قضية سياسية إلى ملف أمني وإنساني.

 

حرب غزة: اكتمال منطق الاستثناء

منحت هجمات السابع من تشرين الأول 2023 نتنياهو مبررًا أمنيًا بالغ القوة. كان الهجوم على المدنيين واحتجاز الرهائن صدمة حقيقية، ومن حق أي دولة حماية سكانها. لكن الحرب صيغت بأهداف يصعب قياسها زمنيًا، وهي القضاء الكامل على حماس، إزالة التهديد مستقبلًا، وتغيير البيئة الأمنية في غزة. وما دامت هذه الأهداف بلا نقطة نهاية واضحة، تستطيع الحرب تجديد نفسها. أصبحت المطالبة بوقف إطلاق النار مرهونة بالقضاء على حماس، وإقامة الدولة الفلسطينية مرهونة بظهور قيادة فلسطينية مثالية، وإنهاء الاحتلال مرهونًا بضمانات أمنية مطلقة. هكذا يُطلب من السلام أن يحقق مسبقًا الأمن الكامل، مع أن السلام في كل التجارب التاريخية هو آلية لإنتاج الأمن وليس مكافأة تُمنح بعد تحققه.

وفي رأيها الاستشاري الصادر سنة 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن المخاوف الأمنية لا تبرر ضم الأرض أو استمرار الاحتلال بلا نهاية. تكمن أهمية هذا الرأي في رفضه تحويل الضرورة الأمنية المؤقتة إلى حق دائم في السيطرة. 

المفارقة أن السلام الشامل يهدد إسرائيل عسكريًا من وجهة نظر اليمين، كما يهدد بنية سياسية كاملة نشأت خلال الصراع. فالتسوية تفرض تحديد الحدود، والاختيار بين ضم الأرض ومنح سكانها الحقوق، أو الانسحاب منها. كما تفرض مواجهة المستوطنين، وتقليص مركزية المؤسسة الأمنية، والاعتراف بأن الفلسطينيين شعب صاحب حقوق وليسوا مجرد مصدر تهديد. لذلك يؤدي الاستثناء وظيفة تتجاوز الأمن بكونه يؤجل لحظة القرار الذي يصعب أخذه مع الوقت. فإسرائيل تستطيع في ظله الاحتفاظ بالأرض من دون ضم سكانها، والتفاوض من دون تحديد نهاية للمفاوضات، والمطالبة بقيادة فلسطينية موحدة ثم رفض التفاوض لأنها قد تضم حماس، أو رفضه بسبب انقسام الفلسطينيين عندما تستبعد حماس.

 

لا يثبت هذا التاريخ وجود خطة سرية موحدة منذ بن غوريون حتى نتنياهو. لقد شهدت إسرائيل صراعات حقيقية بين دعاة التسوية وأنصار الضم، وبين اليسار واليمين، وبين من رأوا الأمن نتيجة للسلام ومن جعلوا الأمن شرطًا سابقًا عليه. لكن الغلبة التاريخية كانت لمنطق إدارة الصراع، لأن كلفته الداخلية المباشرة أقل من كلفة حله.

هنا تحول الاستثناء إلى قاعدة، وفي الحالة الإسرائيلية، أصبحت القدرة الأهم هي تحديد متى يصبح السلام ممكنًا. وما دامت السلطة القائمة تستطيع إعلان أن الشروط لم تنضج بعد، فإنها تستطيع تأجيل الحدود والدولة الفلسطينية والحقوق والمساءلة إلى أجل غير مسمى. لذلك لا يكفي إحياء عملية السلام بصيغتها القديمة. المطلوب هو إنهاء منطق المرحلة الانتقالية المفتوحة، ووضع جدول ملزم لإنهاء الاحتلال، وربط الأمن بحقوق متساوية وقابلة للتطبيق. عدم وجود المبادرات ليس هو الإشكال، بل هو استخدام العملية نفسها لتأجيل النتيجة. وبعد أكثر من سبعة عقود، لم يعد الاستثناء مرحلة بين حرب وسلام، لقد أصبح النظام الذي يمنع السلام من أن يبدأ. 


* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3