واصف حركة لـ"إذاعة وتلفزيون جبل لبنان": لبنان أمام خطر انفجار اجتماعي والمفاوضات مع إسرائيل تحتاج إلى أوراق قوة
في حلقة جديدة من برنامج "5/5" عبر إذاعة جبل لبنان (87.7 FM) وتلفزيون جبل لبنان، استضاف الإعلامي ريكاردو شلهوب المحامي والناشط السياسي واصف حركة، في حوار تناول جملة من الملفات اللبنانية الساخنة، بدءاً من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مروراً بزيادة رواتب النواب وملف العفو العام، وصولاً إلى العلاقة بين الحكومة والجيش اللبناني، والتطورات الأمنية في الجنوب، ومستقبل المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، إضافة إلى التحولات المتسارعة في المنطقة.
إستهل شلهوب الحوار بالواقع الاجتماعي، متوقفاً عند رفع رواتب النواب من نحو 3 آلاف إلى 5 آلاف دولار، في وقت يواجه فيه موظفو القطاع العام أزمات معيشية ويعاني اللبنانيون من ارتفاع متواصل في الأسعار والأقساط والاستشفاء والتعليم.
وحذّر حركة من أن لبنان يقترب من مرحلة شديدة الخطورة اجتماعياً، معتبراً أن الأزمة لم تعد محصورة بفئة أو قطاع معين، بل باتت تطال معظم اللبنانيين.
وقال إن "النار تحت الرماد" وإن الظروف الأمنية التي يعيشها لبنان والمنطقة ساهمت حتى الآن في تأجيل الانفجار الاجتماعي، لكنه رأى أن استمرار الوضع الحالي قد يجعل من الصعب على أي جهة احتواء الشارع.
وأشار إلى أن اللبنانيين يواجهون تضخماً وارتفاعاً كبيراً في تكاليف المعيشة، إلى جانب أعباء السكن والاستشفاء والتعليم، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للرواتب.
وانتقد بشدة قرار زيادة رواتب النواب، معتبراً أن النائب، بوصفه ممثلاً للشعب، يجب أن يراعي الظروف التي يعيشها المواطنون، حتى لو كان من الضروري أن يتمتع باستقلالية مالية تتيح له ممارسة دوره التشريعي والرقابي.
ورأى أن المشكلة ليست قانونية فقط، بل «أخلاقية» أيضاً، معتبراً أن رفع رواتب النواب في ظل الظروف الحالية يعكس انفصالاً بين الطبقة السياسية والواقع المعيشي للناس.
وإستعاد الحركة محطات الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن التحركات بدأت تتصاعد تدريجياً وصولاً إلى حراك عام 2019.
لكنه اعتبر أن أي انفجار اجتماعي جديد سيكون أكثر خطورة من السابق، لأن الناس، بحسب تعبيره، «لم يعد لديها ما تخسره».
وانتقد ما وصفه بعدم استجابة السلطة للاعتصامات والتحركات المطلبية، معتبراً أن تكرار الاحتجاجات من دون حلول فعلية يزيد من حالة اليأس لدى اللبنانيين.
وأضاف أن الأزمة تكمن في استمرار نفوذ منظومة سياسية واقتصادية متشابكة، ربطها بمصالح الأحزاب والسلاح والقطاع المصرفي وشبكات المصالح، معتبراً أن المواطن بقي الحلقة الأضعف في كل هذه المعادلة.
وانتقل الحوار إلى ملف العفو العام، ولا سيما ما يتعلق بالموقوفين الإسلاميين والمبعدين قسراً إلى إسرائيل.
وأكد حركة أن الأصل هو المحاكمة العادلة، مشيراً إلى أن بقاء أشخاص في السجون لسنوات طويلة من دون محاكمات يطرح مشكلة قانونية وإنسانية جدية.
لكنه شدد في المقابل على ضرورة حماية حقوق الضحايا، ولا سيما عائلات العسكريين الذين قتلوا في مواجهات مع مجموعات مسلحة.
ورفض مقاربة الملف من زاوية طائفية أو مذهبية، مؤكداً أن العدالة يجب أن تكون معياراً واحداً للجميع.
واعتبر أن أي قانون عفو عام يجب أن يكون متوازناً وعادلاً وألا يتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات السياسية أو إلى تسوية تخدم فئة على حساب أخرى.
وفي ما يتعلق بالخلاف الذي برز بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع، رأى الحركة أن المسألة يجب أن تُقرأ من زاويتين: سياسية ودستورية.
وأوضح أن مبدأ التضامن الحكومي يسمح لرئيس الحكومة بالتعبير عن موقف الحكومة ككل، لكنه لا يلغي، وفق قراءته، حق الوزير في الحديث عن الملفات التي تقع ضمن صلاحيات وزارته.
وحذر من أن أي خلاف سياسي حول الجيش يمكن أن يتحول بسرعة إلى انقسام طائفي أو مذهبي في لبنان، داعياً إلى معالجة هذه الملفات بعيداً عن الإعلام والمزايدات السياسية.
وتوقف الحوار عند دور قائد الجيش العماد رودولف هيكل، حيث شدد الحركة على ضرورة حماية المؤسسة العسكرية من التجاذبات السياسية، باعتبارها، وفق رأيه، المؤسسة الوطنية التي لا تزال تجمع اللبنانيين وتحافظ على وحدة الدولة.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن حماية الجيش لا تعني إعفاء قيادته من المساءلة إذا ارتكبت أخطاء، مشدداً على ضرورة تحقيق توازن بين دعم المؤسسة العسكرية ومحاسبتها عند الحاجة.
وقال إن إدخال الجيش في الصراعات السياسية والطائفية قد تكون له نتائج خطيرة، مستعيداً تجارب سابقة أدت فيها الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية إلى انعكاسات مباشرة على وحدة البلاد.
في القسم الأبرز من الحوار، انتقل شلهوب والحركة إلى الوضع الميداني في الجنوب، ولا سيما منطقة علي الطاهر وما يثار حولها من معلومات بشأن وجود عناصر من حزب الله والحرس الثوري الإيراني.
ورأى حركة أن ما يجري في الجنوب لا يمكن فصله عن سياق إقليمي أوسع، معتبراً أن الحرب لم تنتهِ وإنما تغيرت أشكالها، وأن استمرار الضربات والتفجيرات يبقي الجنوب أمام خطر التصعيد.
وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى، برأيه، إلى تقديم نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي باعتباره نجح في إزالة التهديد عن الحدود الشمالية، معتبراً أن السيطرة على مواقع استراتيجية مثل علي الطاهر قد تمنح إسرائيل موقعاً ميدانياً مهماً في المنطقة.
لكنه حذر من أن أي معركة حول هذه المنطقة قد لا تتوقف عندها، بل يمكن أن تمتد إلى مناطق وتلال أخرى، ما يفتح الباب أمام تصعيد أوسع.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة، بحسب تقديره، تحاول الفصل بين الملف اللبناني والملف الإيراني، وأن استمرار التصعيد الإسرائيلي يجعل من الصعب تحقيق هذا الهدف.
وفي ملف المفاوضات، رأى الحركة أن لبنان يدخل إليها في ظل اختلال واضح في ميزان القوى، مشيراً إلى أن إسرائيل تستخدم الواقع الميداني للضغط على الطرف اللبناني.
وقال إن المفاوضات مع إسرائيل ليست سهلة، مستشهداً بتاريخ المفاوضات الإسرائيلية مع أطراف عربية وفلسطينية، ومعتبراً أن الجانب الإسرائيلي يدخل عادة إلى طاولة التفاوض وهو يحاول تحويل التطورات العسكرية إلى أوراق سياسية.
وأضاف أن لبنان يذهب إلى المفاوضات فيما إسرائيل تسيطر ميدانياً على أجزاء من الجنوب وتواصل عملياتها العسكرية، الأمر الذي يضعف أوراق بيروت التفاوضية.
وأشار إلى حجم الدمار الذي لحق بالقرى الجنوبية، متحدثاً عن الخيام وغيرها من المناطق، معتبراً أن الخسائر لا تقتصر على الأبنية، بل تشمل المدارس والكنائس والمساجد والمدافن والأراضي الزراعية والأشجار، أي ما وصفه بـ«العمران» بمعناه الأوسع.
وفي أكثر نقاط الحوار إثارة للجدل، طرح الحركة رؤيته بشأن سلاح تنظيم حزبالله المحظور، قائلاً إن الحزب، إذا أراد تحويل السلاح إلى ورقة تخدم المصلحة اللبنانية، فعليه أن يضعه تحت القرار السياسي للدولة، بحيث يصبح جزءاً من أدوات التفاوض اللبنانية.
وأوضح أنه يعتبر إسرائيل "عدواً وجودياً"، وأنه ليس مؤيداً للمفاوضات المباشرة معها من حيث المبدأ، لكنه رأى أن الواقع الذي وصل إليه لبنان يفرض البحث عن أدوات عملية لحماية البلاد.
وأضاف أن استمرار تنظيم حزبالله المحظور في الاحتفاظ بالسلاح خارج إطار القرار الرسمي، في ظل الاختلال الكبير في موازين القوى العسكرية والتكنولوجية، قد يمنح إسرائيل مبررات إضافية للاستمرار في عملياتها.
وشدد على أن الاعتراف بالهزيمة العسكرية، إن حدث، لا يعني بالضرورة الهزيمة النفسية، مستشهداً بتجارب تاريخية لدول تعرضت لهزائم عسكرية لكنها أعادت بناء نفسها.
وأكد أن المطلوب، برأيه، هو التعامل بواقعية مع ميزان القوى بهدف حماية ما تبقى من الجنوب، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يفتح الباب أمام بقاء إسرائيلي طويل الأمد في الأراضي اللبنانية.
وحذر حركة من أن استمرار الاحتلال لفترة طويلة قد يفتح الباب أمام محاولات فرض واقع جديد في الجنوب، مستشهداً بما وصفه بتجارب المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
ورأى أن الخطر لا يقتصر على العمليات العسكرية، بل يمكن أن يتحول تدريجياً إلى تغيير ديموغرافي وجغرافي إذا استمر الاحتلال لسنوات.
وقال إن الجنوب اللبناني لا يجب أن يُختزل بطائفة أو فئة سياسية، مؤكداً أنه جزء أساسي من لبنان بكل مكوناته.
وفي ختام الحوار، انتقل النقاش إلى التحولات الإقليمية، من سوريا إلى السعودية وتركيا وباكستان.
وقال حركة إن المنطقة تمر بمرحلة إعادة رسم للخرائط والتحالفات، مشيراً إلى تنامي التعاون بين السعودية وتركيا وباكستان، وإلى محاولات كل دولة تعزيز موقعها وفق مصالحها.
ورأى أن لبنان لا يستطيع البقاء خارج هذه التحولات، لأن غيابه عن التوازنات الإقليمية يجعله أكثر عرضة للاستفراد به.
ودعا إلى تموضع لبنان ضمن مظلة عربية، بعيداً عن التبعية للمحاور الإقليمية، مؤكداً أنه يريد للبنان أن يكون محمياً من الاعتداءات الإسرائيلية من دون أن يتحول إلى جزء من المشروع الإيراني أو أي محور آخر.
كما حذر من تطورات محتملة في الجنوب السوري، معتبراً أن إسرائيل قد تسعى إلى توسيع نفوذها هناك، في إطار التحولات الجارية في المنطقة.
وفي ختام الحلقة، قال حركة إن اللبنانيين باتوا لا يبحثون عن المستقبل بقدر ما يتمنون استعادة لبنان الذي عرفوه في الماضي، معتبراً أن البلاد دفعت أثماناً كبيرة بسبب أزمات المنطقة وحروبها.
وإختتم شلهوب الحوار بتوجيه الشكر إلى المحامي واصف حركة، الذي بدوره شكر البرنامج والمستمعين.