منير يونس لإذاعة وتلفزيون جبل لبنان: رياض سلامة وقع في فخ أقواله وأعماله.. ارتكبت أفظع الموبقات المالية.. ومسؤوليته ليست وحده عن الـ100 مليار دولار
أطلّ الصحافي الاقتصادي منير يونس في مقابلة مع الإعلامي ريكاردو شلهوب ضمن برنامج “5/5” عبر إذاعة جبل لبنان (87.7 FM) وتلفزيون جبل لبنان، حيث تناول قضية رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان السابق، والملفات القضائية والمالية المرتبطة بمرحلة إدارته للمصرف المركزي، إلى جانب مصير أموال المودعين ومسار الإصلاح المصرفي والعدالة في لبنان.
وقال يونس إن سلامة يواجه في المرحلة الراهنة دعاوى جديدة تقدم بها حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد، من بينها ملف يتعلق باستحواذ نجيب ميقاتي وشقيقه على حصة في بنك عوده، مشيرًا إلى أن مصرف لبنان يعتبر أن العملية تمت بتسهيلات تجاوزت قيمتها 150 مليون دولار، وبما يخالف الأصول، بحسب ما ورد في الدعوى.
وأوضح أن هذه القضية تنضم إلى ملفات قضائية سابقة، أبرزها قضايا «أوبتيموم» و«فوري»، لافتًا إلى أن سلامة كان يستخدم في مراحل سابقة آلية رد القضاة لتأجيل المثول أمام القضاء، إلا أن هذه الآلية، بحسب يونس، تراجعت فاعليتها مع التغييرات التي طرأت على وزارة العدل والسلطة القضائية وتشكيل هيئات التمييز الجديدة.
وفي ما يتعلق بالوضع الصحي لسلامة، أشار يونس إلى أن الأخير يعاني من ارتفاع في ضغط الدم ومشكلات في التنفس، لكنه نقل عن لجنة طبية راجعت ملفه أن ارتفاع ضغطه إلى مستويات مرتفعة لم يكن بالضرورة حالة طارئة، باعتبار أنه كان متعايشًا معها، فيما ربط ضيق التنفس، وفق المعلومات التي عرضها، بالتدخين.
واعتبر يونس أن سلامة «وقع في فخ أقواله وأعماله»، بعدما بنى دفاعه طوال السنوات الماضية على التأكيد أنه تصرف وفق قانون النقد والتسليف، سواء في إقراض الدولة أو تنفيذ الهندسات المالية أو تقديم تسهيلات لعمليات مصرفية أو تمويل برامج الدعم.
وأشار إلى أن سلامة لا يستطيع، وفق هذا المنطق، أن ينتقل اليوم إلى رواية مختلفة ويقول إنه لم يكن يعمل منفردًا وإن لديه شركاء، بعدما ظل منذ بداية الأزمة يؤكد أن قراراته كانت تستند إلى القانون.
ورأى يونس أن أي تغيير في رواية سلامة يتطلب، في حال أراد كشف معلومات وأسماء ووقائع، ضمانات واضحة تتيح له المثول أمام القضاء والدفاع عن نفسه في محاكمة عادلة. ودعا السلطة السياسية الجديدة إلى توفير هذه الضمانات، مؤكدًا أن المطلوب هو أن يمثل سلامة أمام القضاء وأن يقدم ما لديه من معلومات ووثائق وحسابات، على أن يبقى الحكم النهائي للقضاء.
وفي هذا السياق، شدد على ضرورة عدم اختزال المسؤولية في شخص رياض سلامة وحده، معتبرًا أن مرحلة إدارة مصرف لبنان تضمنت قرارات شاركت فيها جهات وأشخاص ومؤسسات أخرى، وأن كشف الحقيقة يتطلب التحقيق في كامل منظومة القرارات المالية والنقدية التي اتخذت خلال العقود الماضية.
وتطرق يونس إلى عدد من الملفات التي قال إنها تتطلب تحقيقًا قضائيًا، من بينها قضية مروان خير الدين، وملف استحواذ ميقاتي وشقيقه على حصة في بنك عوده، إضافة إلى دعوى مرتبطة ببنك البحر المتوسط، مشيرًا إلى أن بعض هذه الملفات تتضمن، بحسب ما هو مطروح قضائيًا، شبهات تتعلق بتسهيلات أو عمليات مصرفية استفاد منها سياسيون أو مقربون منهم.
وشدد في المقابل على ضرورة التمييز بين المعلومات المثبتة وبين الروايات والتكهنات، مؤكدًا أن الحديث عن وجود «شركاء» لرياض سلامة لا يكفي وحده لإثبات المسؤولية، وأن الأسماء والاتهامات يجب أن تخضع للأدلة والمحاضر والتحقيقات القضائية، إذ إن الأصل هو براءة أي شخص إلى أن تثبت إدانته أمام القضاء.
وانتقل النقاش إلى أموال مصرف لبنان وأموال المودعين، حيث اعتبر يونس أن بعض العمليات التي جرت خلال السنوات الماضية، إذا ثبت أنها تمت لمصلحة جهات محددة وعلى حساب أموال المصرف المركزي، فإنها ترتبط بصورة مباشرة بأموال اللبنانيين وودائعهم، وبالتالي تستدعي المحاسبة واستعادة الأموال حيثما أمكن.
وفي هذا الإطار، أشار إلى ملفات العمولات المرتبطة بـ«فوري» و«أوبتيموم» و«V Invest»، إضافة إلى قضية التسهيلات المقدمة لعملية الاستحواذ على حصة في بنك عوده، معتبرًا أن مجموع المبالغ المرتبطة بهذه الملفات، حتى في حال استردادها، لا يفسر حجم الخسائر التي تعرض لها النظام المالي اللبناني.
ورأى يونس أن السؤال الأكبر يتعلق بمصير عشرات مليارات الدولارات التي خسرها القطاع المالي، مشيرًا إلى تقرير شركة «ألفاريز آند مارسال» الذي تحدث عن كلفة كبيرة للهندسات المالية، وإلى تقرير شركة «كرول» الذي أشار، بحسب ما عرضه، إلى عمولات بمليارات الدولارات تحتاج إلى تحقيق لتحديد ما إذا كانت حقيقية أو وهمية ومن استفاد منها.
كما دعا إلى إعادة فتح التحقيق في ملف الهندسات المالية، مشيرًا إلى أن النائب العام التمييزي السابق غسان عويدات كان قد تحرك في هذا الملف وطالب بالتحقيق في أرقام ضخمة مرتبطة بالهندسات، متسائلًا عن مصير هذا التحقيق.
وتناول يونس كذلك ملف القروض المدعومة، معتبرًا أن الدعم يفترض أن يوجه إلى أصحاب الحاجة، لا إلى أشخاص قادرين ماليًا على الحصول على التمويل بشروط السوق. وأشار إلى وجود أكثر من ألف قرض، وفق ما أورده، استفاد منها أشخاص لا تنطبق عليهم بالضرورة شروط الحاجة، داعيًا إلى إعادة التحقيق في هذا الملف وعدم إقفاله بسبب مرور الزمن عندما تكون القضية مرتبطة بصورة مباشرة بالأزمة المصرفية وأموال المودعين.
كما تطرق إلى ملف الدعم الذي بدأ خلال الأزمة المالية، ولا سيما دعم المحروقات والمواد الغذائية والأدوية، مقدّرًا قيمة ما أنفقه مصرف لبنان على برامج الدعم بنحو 8.4 مليار دولار، وفق تقديرات الحاكمية الحالية.
ورفض يونس تحميل اللبنانيين بصورة عامة مسؤولية الاستفادة من الدعم، معتبرًا أن جزءًا من هذه الأموال استفاد منه تجار ومحتكرون ومهربون، في حين جرى تهريب بعض السلع إلى الخارج، داعيًا القضاء إلى التحقيق في هذه الوقائع وتحديد الجهات التي استفادت فعليًا من الأموال.
وفي محور آخر، تحدث يونس عن عمليات إنقاذ المصارف التي جرت منذ تسعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أكثر من 32 عملية إنقاذ مصرفي، وقال إن مصرف لبنان تدخل في بعض الحالات لتقديم التمويل بدل إلزام أصحاب المصارف المتعثرة بضخ رساميل جديدة.
واعتبر أن هذه السياسة تحتاج إلى مراجعة شاملة لتحديد من استفاد منها، وما إذا كانت الأموال العامة وأموال مصرف لبنان استخدمت لإنقاذ مؤسسات أو مساهمين كان يفترض أن يتحملوا هم كلفة إعادة رسملة مصارفهم.
كما انتقد طريقة استخدام قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70 منه، معتبرًا أن النص المتعلق بالاستقرار النقدي والمالي والاقتصادي والاجتماعي استخدم لتبرير مجموعة واسعة من السياسات والقرارات، من الهندسات المالية إلى الدعم، وصولًا إلى إجراءات أخرى اتخذها مصرف لبنان.
وقال إن صندوق النقد الدولي سبق أن طالب بتعديل بعض جوانب قانون النقد والتسليف، محذرًا من أن استمرار تفسير النصوص بالطريقة نفسها قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المسار المالي السابق.
وتناول كذلك المادة 90 المتعلقة بإقراض مصرف لبنان للدولة، مشددًا على أن القانون يربط الإقراض بظروف استثنائية وبآلية يفترض أن تمر عبر مجلس النواب، لأن أي اقتراض من المصرف المركزي يترتب في النهاية على الدولة والمواطنين.
وانتقد في هذا السياق ما اعتبره التفافًا على الأطر القانونية، عبر تمرير بعض العمليات ضمن قوانين الموازنة في فترات كانت البلاد تعاني فيها من غياب الموازنات العامة أو تأخر إقرارها.
وفي ما يتعلق بالإصلاح المصرفي، أشار يونس إلى أن لجنة المال والموازنة النيابية تناقش مشاريع قوانين مرتبطة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، لكنه اعتبر أن بعض التعديلات التي أدخلت على مشاريع القوانين، بحسب رأيه، قد لا تتطابق بالكامل مع مطالب صندوق النقد الدولي، محذرًا من احتمال إعادة مشاريع القوانين إلى لبنان لطلب تعديلات إضافية.
وفي ختام الحديث عن حجم الخسائر، قدّر يونس المسؤولية الإجمالية المرتبطة بالانهيار المالي بنحو 100 مليار دولار، لكنه شدد على أن تحميل رياض سلامة وحده مسؤولية هذا الرقم لا يعكس كامل الصورة، باعتبار أن قرارات مصرف لبنان كانت تُتخذ ضمن المجلس المركزي الذي يضم، إلى جانب الحاكم، نواب الحاكم ومديرين ومسؤولين آخرين.
كما أشار إلى دور مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان، الذي يملك صلاحيات رقابية على قرارات المجلس المركزي، متسائلًا عن مدى ممارسة هذه الصلاحيات خلال السنوات السابقة. وتحدث كذلك عن دور وزارة المال باعتبارها الجهة الوصية على مصرف لبنان في بعض الملفات، ولا سيما في ما يتعلق بموازنته وحساباته السنوية.
واعتبر أن المسؤولية لا تقتصر على مصرف لبنان، بل تشمل أيضًا جهات سياسية ونيابية وحكومية كان يفترض أن تمارس أدوارها الرقابية، خصوصًا في ظل استمرار العجز المالي والاقتراض وغياب الموازنات لفترات طويلة.
وختم يونس بالتأكيد أن لبنان أمام ملفين ماليين وقضائيين بالغَي الحساسية، هما الأزمة المصرفية وانفجار مرفأ بيروت، معتبرًا أن القضاء مطالب بالتعامل معهما بجدية وتسريع الإجراءات من دون التضحية بالمعايير القانونية.
ودعا إلى أن تكون المحاكمات علنية قدر الإمكان، وأن يستعين القضاء بخبراء دوليين في الملفات المالية المعقدة، على أن يقتصر دورهم على المراقبة والمساعدة الفنية، بما يعزز الثقة في مسار التحقيق ويضمن الوصول إلى الحقيقة.
وأكد أن المحاسبة، حتى لو استغرقت سنوات، تبقى ضرورية لكشف ما جرى ومنع تكرار الأخطاء، مشددًا على أن اللبنانيين والأجيال المقبلة يحتاجون إلى معرفة حقيقة ما حدث لأموالهم وكيف وصلت البلاد إلى الانهيار المالي، ومن يتحمل المسؤولية عنه.