لبنان المفلس اقتصادياً والمنقسم سياسياً هو الطرف الأضعف...واشنطن تفاوض وإسرائيل تحسم بالنّار و"حزبالله" المحظور في طهران
تبدو الولايات المتّحدة، التي تعود إلى لعب دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، وكأنّها لا تزال تتعامل مع الملفّ اللبنانيّ بمنطق تقنيّ أكثر منه سياسيّاً أو تاريخيّاً. إذ تتصرّف انطلاقاً من فرضيّة أنّ الدولة اللبنانيّة قادرة، إذا توافر القرار، على بسط سلطتها ونزع سلاح تنظيم "حزبالله" تدريجاً. إلّا أنّ هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أنّ الدولة نفسها عجزت لعقود عن فرض توازن داخليّ مستقرّ، ليس فقط بسبب قوّة "الحزب" العسكريّة، بل وبسبب البنية اللبنانيّة المنقسمة والطبيعة الإقليميّة للصراع.
إسرائيل من جهتها تجلس إلى الطاولة من موقع القوّة الميدانيّة، لا من موقع الباحث عن تسوية متوازنة. تواصل التصعيد بالتزامن مع المفاوضات، وتوسّع عمليّاتها جنوباً وبقاعاً وكأنّها تقول إنّ المسار العسكريّ يسير بالتوازي مع المسار السياسيّ، وإنّ أيّ مطالب لبنانيّة لوقف النار لا تشكّل أولويّة بالنسبة إليها ما لم تُترجَم بخطوات عمليّة تتعلّق بسلاح "الحزب".
في المقابل، يبدو لبنان الطرف الأضعف حول الطاولة. دولة مفلسة اقتصاديّاً، منقسمة سياسيّاً، حتّى إنّها عاجزة عن توحيد خطابها الداخليّ تجاه الحرب والسلاح والعلاقة مع المجتمع الدوليّ. لا السلطة تمتلك أوراق ضغط حقيقيّة، ولا القوى السياسيّة متّفقة على رؤية موحّدة، فيما يتحوّل التفاوض نفسه إلى انعكاس للأزمة اللبنانيّة بدل أن يكون مدخلاً لحلّها.
تبدو لهذا السبب التوقّعات العالية من مفاوضات واشنطن غير واقعيّة. يصطدم الكلام عن اتّفاقات كبرى أو تحوّلات سياسيّة واسعة بحقائق الميدان والانقسام الداخليّ اللبنانيّ، ويصطدم أيضاً بالمقاربة الإسرائيليّة التي لا تزال ترى أنّ أيّ استقرار فعليّ يبدأ من تقليص نفوذ "الحزب" عسكريّاً وأمنيّاً، لا من تفاهمات حدوديّة أو ترتيبات مؤقّتة فقط. لكن خلف هذا السقف المنخفض يبرز قلق لبنانيّ داخليّ وعربيّ دبلوماسيّ من أمر آخر أكثر حساسيّة: أن تتحوّل هذه الجلسات إلى مقدّمة لخطّة عمل يوافق عليها لبنان رسميّاً تتضمّن تكليف الجيش اللبنانيّ بمهمّة حصر أو معالجة سلاح "الحزب" في الداخل، ولو بصورة تدريجيّة وتحت عناوين تنفيذ القرارات الدوليّة أو تثبيت الاستقرار.
تزداد الصورة تعقيداً لأنّ "الحزب" نفسه لا يتعامل مع هذه المفاوضات باعتبارها المسار الحاسم. فهو يراهن على ما ستنتجه طهران ومحادثاتها مع واشنطن، وينتظر ما ستؤول إليه الطاولة المفتوحة في إسلام آباد، انطلاقاً من قناعته أنّ مستقبل المواجهة في لبنان لا يُحسم في واشنطن وحدها، بل ضمن التوازن الإقليميّ الأوسع.
إلّا أنّ بنيامين نتنياهو كان واضحاً حين فصل بين المسارين الإيرانيّ واللبنانيّ، معتبراً أنّ أيّ تفاهم مع طهران لا يعني بالضرورة تخفيف الضغط على لبنان، وهذا الكلام هو رسالة تحمل في طيّاتها إصراراً إسرائيليّاً على إبقاء الساحة اللبنانيّة تحت الضغط العسكريّ والسياسيّ، بمعزل عن أيّ تسويات إقليميّة محتملة.