إختلاف التقويم بين شرقي وغربي... من أين يأتي الفرق؟ الصوم والعبور الى القيامة أرثوذكسياً
ممّا لا فيه شكّ أنّ الصوم الكبير المقدَّس هو من أهمّ الأصوام لدى المسيحيين عامّة، ولا سيّما لدى الكنيسة الأرثوذكسيّة ، كونه تحضير وتهيئة “لعيد الأعياد وموسم المواسم”، أي قيامة الرّبّ يسوع بالجسد من بين الأموات. يقسم هذا الصوم إلى قسمين، الأوّل هو الصوم الأربعيني المقدَّس الَّذي ينتهي بسبت لعازر، وصوم الأسبوع العظيم المقدَّس الَّذي يبدأ في أحد الشّعانين وينتهي في أحد الفصح المقدَّس أو أحد القيامة.
كيفية تحديد تاريخ عيد الفصح المسيحي
ويشرح متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الارثوذكس المطران أنطونيوس الصوري كيفية تحديد تاريخ عيد الفصح المسيحي بالإشارة الى إنّ المجمع المسكوني الأوّل المنعقد في نيقية عام 325 م. برئاسة الإمبراطور قسطنطين الكبير، حدَّد كيفية تحديد تاريخ الاحتفال بعيد الفصح، وأقرّ القاعدة التي كانت تعتمدها كنيسة الإسكندريّة للاحتفال بالعيد، فيقع عيد الفصح يوم الأحد بعد أول بدر يلي الاعتدال الربيعي في 21 آذار (حساب شرقي)، ولا يجوز أن يأتي عيد قيامة المسيح بالتزامن مع عيد الفصح لدى اليهود أو قبله لذلك يحتفل به في الأحد الذي يلي سبت الفصح اليهودي مباشرة، وذلك لأنّ المسيح قام بعد سبت الفصح اليهودي (راجع يوحنّا 19: 31).
إذن من أين يأتي الفرق بين تاريخ الفصح الشرقي والغربي؟
والجواب هو أنّ الدولة الرومانية كانت تستخدم تقويمًا يتألّف من عشرة أشهر، ومنه جاءت تسمية أكثر الأشهر. عندما احتلت الإمبراطورية الرومانية مصر استفاد الرومان من علوم المصريّين الفراعنة الفلكية، فقام يوليوس قيصر بتعديل التقويم الروماني القديم بالاستعانة بأحد الفلكيّين الإسكندريين ويدعى سوسيجنيو، وقد تمثّل تعديله في جعل السنة العادية 365 يومًا والكبيسة 366 يومًا، وتكون سنة كبيسة كل أربع سنوات. هذا التّقويم دعي باسم التقويم اليولياني وقد بوشر استعماله في مدينة روما على يد يوليوس قيصر عام 47 ق. م.، واليوم يدعى هذا التّقويم ايضًا باسم التقويم الشرقي.
السنة تتألف من 365 يوماً، و5 ساعات، و49 دقيقة (أي أنّها تقلّ فعلاً 11 دقيقة عن السنة في التقويم اليولياني)، ويعني هذا أن يتقدّم التقويم اليولياني عن الواقع يومًا واحدًا كل 131 سنة تقريبًا، ويتقدم 3 أيام كل 393 سنة (مع التقريب تصبح 400 سنة)، ولذلك قرر بابا الفاتيكان غريغوريوس الثالث عشر أن يتبنّى نصيحة الفلكي أليسيوس ليليوس، وبعد وفاة الأخير خلفه الفلكي كريستوفر كلافيوس في رأيه، خصوصاً وأنه خاف من تغيّر موسم عيد الفصح الذي يجب أن يكون في الربيع، وقد أصدر مرسومه البابوي بإصلاح التقويم اليولياني.
الإختلاف
المشكلة في أيّامنا وجود فرق 13 يومًا بين التقويمين الغربي والشرقي، فعندما نكون في 21 آذار (حسب التقويم الغربي) فهذا يعني أنّنا في 8 آذار بحسب التقويم الشرقي. وهكذا إذا جاء البدر في 28 آذار، مثلًا، يكون هذا التاريخ 15 آذار حسب التقويم الشرقي وتاليًا لم يبدأ فصل الربيع بعد، لذا يجب انتظار البدر التالي (بعد 28 يومًا). وهذا هو ما يسبب الفروقات بين تواريخ الفصح على الحساب الشرقي والغربي حين تُستعمل القاعدة التي أقرّها المجمع المسكوني الأوّل لحساب تاريخ الفصح.
الصوم
ويشدّد المطران أنطونيوس الصوري على أنّ "الصوم تدريب وترويض للنفس على الطّاعة لله عبر طاعة الكنيسة في تحديدها لمتطلّباته (أي للصوم) على الصعد الروحيَّة والجسديّة. هو تشوُّق إلى القربى من الله عبر الجهادات المختلفة في الصلاة المكثّفة والانقطاع عن الزفرَين والصوم لفترة معيّنة من دون طعام أو شراب، لكي يتحرَّك القلب في طلب الرّبّ إذ يُدرك أنّه فقير إليه وبه ومنه إلى الآخَرين. إنّه عودة إلى روح الفردوس، إلى روح الشركة والسّلام بين الله والإنسان وبين البشر مع أنفسهم ومع بعضهم البعض وبينهم وبين الخليقة".
ويشير المطران الصوري الى "كون الصوم تاليًا موت وقيامة، هو موت عن العالم المتمثّل بالانقطاع عن الطعام والشراب لوقت معيَّن كما بالانقطاع عن الزّفرَين، وموت عن النّفس بإنكار المشيئة الذّاتيّة وصنع مشيئة الله تطبيقًا للصلاة الرّبّيّة “لتكن مشيئتك…”. لكن الصّوم لا يستقيم من دون صلاة، ولهذا تكثّف الكنيسة في هذا الزّمن الصلوات وتُشبعها بالمعاني الخشوعيَّة وتحثّ فيها المؤمن على التوبة والمسامحة وعيش روح الشركة والعطاء والخدمة".