تضارب المواقف في القيادة الإيرانيّة أربك "حزبالله"!
تتناقل أوساط عين التينة أنّ مبعوث رئيس مجلس النوّاب اللبنانيّ نبيه برّي، النائب علي حسن خليل، توجّه إلى طهران لاستيضاح القيادة الإيرانيّة حول توجيهاتها للمرحلة المقبلة، خصوصاً أنّ هناك تخبّطاً وتضارباً في مواقف "حزبالله"، الذي لم يعد موحّداً، وبه مراكز قوى يعمل كلّ منها بأجندة متناقضة.
وقد جرى استقبال النائب خليل من بعض المسؤولين الإيرانيّين، ومنهم علي لاريجاني رئيس جهاز الأمن القوميّ، ومحمّد باقر قاليباف رئيس البرلمان، وعبّاس عراقجي وزير الخارجيّة، وبعيداً من الأضواء اجتمع خليل مع محمّد وحيدي نائب قائد "الحرس الثوريّ".
واتّضح لمبعوث الرئيس برّي أنّ هناك ضبابيّة في السياسة الإيرانيّة الدوليّة، وتناقضاً فيما تنتظره إيران من لبنان، فالمسؤولون السياسيّون أشاروا إلى ضرورة التزام ضبط النفس وحماية ما بقي من قوّة لـ"حزبالله"، لأنّ عكس ذلك لا يخدم المفاوضات مع الولايات المتّحدة.
من جهة أخرى، يدعو موقف "الحرس" إلى العمل على استعادة القوّة العسكريّة لمواجهة الغطرسة الإسرائيليّة، إذ إنّ إسرائيل والولايات المتحدة لا تحترمان سوى القوّة. وعندما قال النائب خليل إنّ السيطرة الجويّة الإسرائيليّة الكاملة على مساحة لبنان تجعل استعادة القوّة أمراً مستحيلاً، استشاط وحيدي غضباً، وقال: "إنّ دماء الشهداء، وأوّلهم حسن نصر الله وقاسم سليماني، لا يجوز أن تكون لأجل عمليّة استسلام للعدو".
وقد عاد علي حسن خليل من طهران خالي الوفاض وبلا أجوبة تسمح برسم السياسة اللبنانيّة في ظرف هو غاية في الدقّة. ونُقل عن الرئيس برّي قوله إنّ تضارب الآراء في القيادة الإيرانيّة بلا شكّ أدّى إلى تصاعد خلافات بين مراكز قوى داخل الحزب، وهذا ما يجعل محاولاته لرأب الصدع بين الحكومة والحزب أمراً غاية في الصعوبة، خصوصاً تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيليّة لنزع السلاح ضمن مهل زمنية محددة. وقد نُقل عن الرئيس بري امتعاضه من مواقف بعض المتشددين في "حزبالله" الذين يرفضون الاعتراف بأنّ هناك واقعاً جديداً حلّ في لبنان بعد هزيمة الحزب المدوّية وسيطرة إسرائيل المحكمة جوّاً على كامل الأراضي اللبنانيّة، وعلى الأرض باحتلال مراكز جنوب نهر الليطاني، وأنّ تحدّياتهم الفارغة لن تؤدّي سوى إلى مزيد من التعدّيات الإسرائيليّة وإضاعة فرص النهوض من الدمار الذي خلّفه الوحش الإسرائيليّ.
من ناحية أخرى، تقول مصادر رئاسة الجمهوريّة إّن هناك بوادر اتفاق أميركيّ - إيرانيّ يجري التحضير له منذ زمن في سلطنة عُمان، وقد تكون عمليّة فنزويلاّ الأخيرة حافزاً على تسريع هذا الاتفاق، ومن أوّل شروط الولايات المتحدة حلّ الميليشيات التابعة لـ"الحرس الثوريّ"، وأوّلها "حزبالله". وإذا كُتب النجاح لهذا الاتفاق تصبح عمليّة نزع السلاح أمراً حتميّاً، ومن دون سقوط قطرة دمّ لبنانيّة. وإذا لم يحصل اتفاق في سلطنة عُمان، فإنّ الأمور آيلة إلى التصعيد في الداخل الإيرانيّ، ممّا يؤدّي إلى مزيد من الانقسام في قيادة الحزب، خصوصاً تحت وطأة توقف الموارد الماليّة، ممّا يجعل التخلي عن السلاح والتقارب مع الدولة أقلّ الشرور، وخياراً حتمياً.
في هذا الإطار، تبرز معطيات إضافية تُظهر أنّ "حزبالله" لا يواجه فقط أزمة عسكرية أو سياسية، بل أزمة وجودية وأخلاقية في آنٍ. فالتقارير المتداولة في الأوساط الدبلوماسية والأمنية تُشير إلى أن بعض القيادات الوسطى والعناصر المالية في "حزبالله" عمدت خلال الأشهر الماضية إلى نقل أموالها وعائلاتها إلى خارج لبنان، لا سيما إلى دول في أميركا اللاتينية مثل فنزويلا، مستفيدةً من شبكات علاقات قديمة، ومن تسهيلات قانونية وإقامات وجنسيات بديلة تتيح لهم الحركة خارج نطاق الرقابة الغربية المشددة.
وتتحدّث هذه التقارير عن شراء شقق وممتلكات بأسماء أشخاص وسيطين أو شركات واجهة، بهدف تأمين ملاذات شخصية في حال انفجر الوضع في لبنان، أو فُرضت عقوبات أشد قسوة، أو حصل تصعيد عسكري واسع. وهذه الوقائع -بصرف النظر عن حجمها الدقيق- تحمل دلالة سياسية خطيرة: أن مَن يدفع نحو المواجهة لا يربط مصيره بمصير البلد، وأن مَن يُلوّح بالحرب لا ينوي تحمّل تكلفتها على عائلته وبيئته، بل يؤمّن لنفسه مخارج خاصة خارج الحدود.
هذا الواقع يُعمّق الشرخ بين "حزبالله" والدولة، وبين مشروع السلاح ومصلحة المجتمع. فلبنان لم يعد يحتمل أن يُدار بمنطق "الجبهة"، ولا بمنطق "الرسائل الإقليميّة". اللبنانيون يريدون دولة، لا غرفة عمليات، يريدون استقراراً، لا بطولات وهمية تُبنى على أنقاض بيوتهم ومدارس أولادهم ومستشفياتهم. وأي حرب جديدة، في ظل هذا الاختلال الفادح في موازين القوى، لن تكون سوى دمار إضافيّ بلا أفق، ولن تُغيّر في النتائج الاستراتيجية شيئاً سوى تعميق عزلة لبنان، وإفقاره وتفريغه من شبابه.
من هنا، فإن الدفاع الحقيقي عن لبنان اليوم لا يكون عبر تحدي المجتمع الدولي، ولا عبر استفزاز إسرائيل، ولا عبر الارتهان لمحاور متداعية، بل عبر إعادة الاعتبار للدولة وحدها بوصفها مرجعية للسلم والحرب، وللقانون وحده بوصفه منظماً للقوة، وللمصلحة الوطنية وحدها بوصفها بوصلةً للقرار. إن نزع السلاح في هذه اللحظة التاريخية ليس تنازلاً عن السيادة، بل استعادتها؛ وليس هزيمة، بل شرط النجاة الأخير.
لبنان لا يحتاج إلى مَن يموت باسمه، بل إلى مَن يعيش لأجله، ويحمي شعبه من الحروب العبثيّة، ويمنع تحويله إلى ساحة تصفية حسابات. ومن يضع لبنان أوّلاً يضع حدّاً لكلّ سلاح خارج الدولة، ولكلّ مغامرة خارج العقل، ولكلّ مشروع لا يرى في هذا البلد إلا ورقة، لا وطناً.
إنّ أيّ محاولة لجرّ لبنان مجدداً إلى حرب خاسرة ليست مقاومة بل جريمة وطنية، وليست بطولة بل مقامرة بدم الناس ومستقبلهم. مَن يصرّ على الاحتفاظ بسلاحه خارج الدولة لا يدافع عن لبنان، بل بل يحتجزه رهينة، ويحوّل شعبه إلى دروع بشريّة لمعارك لا قرار له فيها، ولا مصلحة له بها.
(صحيفة الشرق الأوسط)