لبنان... المرفأ في انتظار العدالة
اليوم 4 أغسطس (آب)، انقضت 6 سنوات على التفجير المروّع الذي دمّر مرفأ بيروت ورمّد قلبها وخلّف دماراً هائلاً وقتلى كثيرين، أبرز الحدث العدالة كمطلب للعاصمة وأهلها، لكن رغم قرارات الادعاء، ما من مسؤول طلب سماح الناس، ولتاريخه لم يصدر القرار الاتهاميّ ولم يحاسَب أحد. استمرّوا على كراسيهم، سابقاً اطمأنوا إلى تغوّل دويلة "حزبالله" التي هدّدت بـ"قبع" قاضي التحقيق العدليّ طارق البيطار(...)، وحتى اليوم بقيت الأسئلة من دون أجوبة عن تأخّر إعلان القرار الاتهاميّ.
لكن ما حُفِر في ذاكرة المواطنين أنَّهم تركوا لمصيرهم ذلك المساء المشؤوم... الضحايا في المرفأ وفي الطرق والبيوت، الجرحى ينزفون، الدمار في كلّ مكان، وبيروت لم تعد بيروت. لكن من تحت الرماد خرج شبان وشابات، اندفعوا من كل جهات لبنان، للملمة جراح العاصمة وأهلها.
كلّ المسار الذي سبق التفجير، الذي صُنِّف كأكبر تفجير غير نوويّ، يؤكّد أنّه كان ممكناً حماية بيروت من تجرّع هذا الكأس. ففي 28 مايو (أيّار) 2020، ختم الرائد جوزيف النداف تقريره عن "نيترات الأمونيوم" المخزّنة في العنبر ذي الرقم 12. رفع سمّاعة الهاتف وخابر المدعي العام، وأبلغه حصيلة ما توصّل إليه، محذراً من أنّه إذا اشتعلت هذه الموادّ فستتسبّب في تفجير يدمّر المرفأ! وفي الأوّل من يونيو (حزيران) 2020، أحال نسخة خطّية من تقريره إلى قيادته في جهاز أمن الدولة، وإلى المدّعي العام غسّان عويدات، وتسلّم التقرير رئيس الحكومة حسّان دياب ورئيس الجمهوريّة ميشال عون وغيرهما من كبار المسؤولين!
من تفجير المرفأ وقبله الانهيار الماليّ المبرمج إلى نكبة الهزيمة واستدراج الاحتلال المتأتي عن السلاح اللاشرعيّ، تكمن الكارثة في غياب العدالة مع تسلّط منظومة الفساد. لذا، الخوف حقيقيّ بأن تبقى العدالة ممنوعة ما دام هناك خلل وطنيّ بموازين القوى الداخليّة، فيتكرّر تخيير اللبنانيّين بين اللاّعدالة والحرب الأهليّة. وبعد 6 سنوات على تفجير المرفأ، مسؤوليّة السلطة التنفيذيّة كبيرة في الحض على إعلان القرار الاتهاميّ وحمايته، لأنّ ذلك يفتح باب المحاسبة وبدء طيّ صفحة السلطة العميقة التي غطّت الكبائر.
في أحد مسارات التحقيق المعلنة، ارتأى القاضي بيطار الادعاء بجناية "القصد الاحتماليّ بالقتل" ضدّ من تسلّم تقريراً، أو تمّت مخابرته وإحاطته علماً، باحتمال حدوث كارثة كبرى نتيجة تخزين 2750 طنّاً من "النيترات" في المرفأ ولم يتحمّل المسؤوليّة الملقاة عليه.
ميشال عون الذي في عهده تمّ إرسال اللبنانيّين إلى الجحيم أعلن أنّه كان يعلم، ولكن لا يمكن مساءلته دستوريّاً، في حين قال وزراء مدّعى عليهم كيف لهم أن يعلموا أنّ كارثة ستقع من خلال "ورقة تسلّموها"! لكن المعطيات المعلنة، التي سبقت جريمة العصر، تشير إلى أنّ عويدات كان أكثر من سواه في قلب الصورة نظراً لمركزه القضائيّ الحسّاس!
(صحيفة الشرق الأوسط)