إنّه "اتفاق إطار"... لبدء مفاوضات شاقّة
أحدثت "مذكّرة التفاهم" الأميركيّة - الإيرانيّة، وما حملته من "هدايا" للنظام الإيرانيّ، حالة ارتياح لمحور الممانعة. لم يكن في الأمر أيّ افتعال، إذ بدت أشبه بمشروع "سلام إقليميّ" بين الولايات المتّحدة وحلفائها وإيران ومحورها. عمّ الإنكار من طهران إلى الضاحية الجنوبيّة، وساد مناخ بأنّ حصيلة الحرب ستمنح الأذرع اعترافاً أميركيّاً بوضعها كجزء من الحال الإيرانيّة تحوز الحماية.
قفز الشيخ نعيم قاسم فوق الكارثة: إبادة بشريّة طالت نحو 20 ألفاً بين قتيل وجريح سقطوا، واقتلاع الجنوب بتهجير مليون مواطن، وتجريف القرى الأماميّة ومسحها عن الخريطة، واحتلال إسرائيليّ مباشر وبالنار لـ10 في المائة من مساحة لبنان، وتهديد النبطيّة وصور، كبرى مدن الجنوب بمصير بنت جبيل! وراحت الميليشيا التي حظرت الحكومة عملها العسكريّ والأمنيّ، تردّد روايات عن مآثرها في "الميدان"!.
اتسعت حملة تخوين السلطة لقرارها الذهاب إلى مفاوضات مباشرة، لأنَّها "الأقلّ تكلفة"، وفق رئيس الحكومة نوّاف سلام، لحماية الأرواح، ولإخراج البلد من حروب استباحته منذ "اتفاق القاهرة" 1969، فأحلَّت البؤس في لبنان وفاقمت الهجرة. لتكشف الحملة عن حقيقة الأهداف المستبطنة: تثبيت موقع إيران بوصفها شريكاً في الملف اللبنانيّ بأيّ تسوية. وهكذا يستمرّ الاحتلال الإسرائيليّ يقابله سلاح لا شرعيّ وهيمنة إيرانيّة. وبدأ الترويج لمؤتمر "دوحة2" بهدف "إعادة تنظيم السلطة في لبنان"، ليسقط بالتالي نزع السلاح واستعادة مشروع الدولة القادرة على حماية الناس والأرض. تزامناً، شكَّل "اتفاق الإطار" اختراقاً نوعيّاً بين أبرز عناوينه أنّ إنقاذ لبنان يبدأ مع منع إيران من التفاوض باسمه، وأعطى مصداقيّة لإعلان الرئيس جوزف عون عدم القبول "إلّا بزوال الاحتلال وسقوط الوصايات الخارجيّة"، فنجح "اتفاق الإطار" في رسم سياقٍ لإنهاء الاحتلال الإسرائيليّ: "مع استعادة الجيش اللبنانيّ سلطة الدولة على الأرض تبدأ إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي خارج الأراضي اللبنانيّة"، أيّ لا بقاء لحزام أمنيّ ولا لنقاط خمس. وحمل "اتفاق الإطار" إعلاناً من إسرائيل "بأنّها لا تملك أيّ أطماع إقليميّة في لبنان".
وفي هذا السياق، يكون "اتفاق الإطار" تجاوز مطبّات حملتها "مذكّرة التفاهم" التي استغلّتها طهران لإعادة ربط لبنان بإيران مجدّداً، والأهمّ أنّها جعلت الانسحاب الإسرائيليّ ممكناً، وكذلك العودة المستدامة للنازحين.
ما حصل ليس من دون ثمن. المادة 13 على سبيل المثال خطيرة، لأنها تضمن قبولاً لبنانياً مسبقاً بعدم مقاضاة العدو الإسرائيلي على الجرائم التي ارتكبها بحق اللبنانيين. ولئن كان لبنان السلطة، ليس الجهة التي أعلنت الحرب، فإنه معنيٌّ بنتائجها الكارثية. والقاعدة أن المهزوم لا يضع كل شروط نهاية الحرب، ولا يبدِّل النتيجةَ الإنكارُ وعدم الإقرار بالواقع.
إنّ الحقيقة البارزة هي أنّ لبنان منذ اتفاق الهدنة عام 1949، لم يعلن ولا مرّة الحرب على إسرائيل، وكل الحروب التي حدثت وطحنت مواطنيه وأضعفت سلطاته وشرذمت مواطنيه وأحدثت تغييرات ديموغرافيّة، كانت من فعل قوى استباحت أرضه وانتهكت سيادته. ووحدها طهران قرّرت منفردة عبر وكيلها "حزبالله"، الذي تفاخر على الدوام بأنّه "إيران في لبنان"، أخذه إلى آخر 3 حروب دمّرته: حرب عام 2006 وحربا "الإسنادين" عام 2023 و2026، من دون أن ننسى جريمة الحرب على الشعب السوريّ.
لكل ذلك ينبغي أن يوضع في سياقه الصحيح كلُّ ما يقال عن أن تنسيقاً ما سيتم مع القوات الإسرائيلية، وأن لبنان يرحب بمساندة دولية، أميركية مثلاً، لضمان النجاح في بسط السيادة على "المناطق التجريبيّة"، لا سيّما أنّ كلّ ذلك يندرج في سياق تحقيق الهدف المحوري، وهو الانسحاب، وإن اتخذ صفة المتدرج. فالأساس هنا لإنقاذ لبنان انطلاقاً من جنوبه، أن تعزز السلطة دورها على الأرض، والبداية إلى النجاح في تجربة "المناطق التجريبيّة"، جعل بيروت آمنة خالية من السلاح، فيتعزز دور المفاوض اللبناني ومكانته.
إنّ المطلوب ينطلق من تنفيذ القرارات اللبنانيّة لجهة حصر السلاح في يدّ القوى الشرعيّة، تطبيقاً للدستور والقرار الدوليّ 1701 واتفاق وقف الأعمال العدائيّة 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 الذي حصر السلاح بيد 6 جهات رسميّة، كما قرارات الحكومة اللبنانيّة في 5 أغسطس (آب) 2025 و2 مارس (آذار) 2026... ويقيناً، ما من قوّة في لبنان أقوى من الشرعيّة.
الانتقال من "اتفاق الإطار" إلى اتفاقٍ نهائي، مسار صعب ومعقَّد لبلوغ ما سماها وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو «سيادة كاملة للبنان على أراضيه وأمن إسرائيل». فمن جهة لا يمكن الركون لنيّات حكومة بنيامين نتنياهو الذي يخوض انتخاباته بدم اللبنانيين وأرضهم، وسبق له أن حاز التأييد الأميركيّ على استراتيجيّة "الدفاع المتقدّم" كردٍّ على كارثة "طوفان الأقصى"، أيّ الدفاع عن حدود الدولة العبرية من أراضي الغير، عبر الأحزمة الأمنية والأرض المحروقة... ومن الجهة الأخرى لا يمكن تجاهل نيّات طهران، حيث من المبكر التقدير بأنها تخلَّت عن مشروعها (إيران الكبرى من قزوين إلى المتوسط).
لكن صلابة الموقف السياسي الرسمي اللبناني والوضوح بأن لا أولويّة تفوق استعادة الأرض وإنهاء الهيمنة الخارجية، يمكن أن تعزز النهج المتَّبَع المحتضن بقوة من أشقاء لبنان وأصدقائه في العالم، والذي يحوز تفهماً أميركياً. لكن تبقى الأخطار كامنة، واحتمالات التخادم الإسرائيلي - الإيراني لإسقاط هذا "الإطار"، الذي لا يمكن تقويضه بمظاهرة ترفع الأعلام الإيرانية، أو تصعيد ما في النبطية ومحيطها وكذلك صور، وكذلك مضيّ إسرائيل بالممارسات الإجرامية. هذا المشروع سيكون عرضة للسقوط إن قررت طهران إسقاط "التفاهم" و"التصالح" مع واشنطن، والمكابشة حول مضيق هرمز خطيرة ومن شأنها في لحظة ما أن تدفع إلى انزلاقٍ كبير.