لأنّ الفصل الأخير بات معروفاً!
Credits: info3

لأنّ الفصل الأخير بات معروفاً!

في أحد أخطر الحروب دماراً وتكلفة للبشريّة، حدثان برزا في الأيّام الأخيرة، أوّلهما في الداخل الإيرانيّ، والثاني في لبنان، الذي يتعرّض لعدوان مزدوج إسرائيليّ - إيرانيّ.

كان الحدث الأوّل، إسقاط طهران للمقاتلة الأميركيّة "إف 15"، وهو أمر لافت، لكنّه لا يبدّل في واقع ميزان القوى، بل يوجّه رسالة إلى أنّ إيران لم تصبح بعد ساحة مستباحة بالكامل، ممّا يعني أنّ الحسم السريع غير متوافر.

لكن هذا الجانب لا يختصر كلّ المشهد. فقد تمثل الحدث الأكبر في الدور الذي قامت به قوّات أميركيّة في عمق إيران، عندما أمضت نحو 40 ساعة، نجحت خلالها في إنقاذ طاقم الطائرة المقاتلة، وسط غياب مطلق للقوى العسكريةّ الإيرانيّة، ممّا يبرز مدى وهنها.

عميقة هي دلالات هذا التطوّر، لكنّها لا تقلّل من المتبقي من قدرات عسكرية لدى نظام الملالي، الذي يتبع سياسة ترشيد القصف الصاروخي لإطالة أمد الحرب، فيما يستخدم مضيق هرمز كأهم ورقة ابتزاز هائلة منهكة لاقتصادات العالم!

وتمثل الحدث الثاني بإعلان "حزبالله" عدم "التمسّك بالأرض" تحت وطأة التوغلات الإسرائيلية، فكشفت تل أبيب أن الصواريخ تطلق من شمال الليطاني، وقد تصل العمليّات العسكريّة إلى نهر الأولي، أيّ شمولها كلّ الجنوب، أيّ توسّع الاحتلال وتقطيع أوصال المناطق وقطع البقاع عن الجنوب، والتحكّم بها بالنار، ممّا يُفاقم من الأهوال التي تضرب لبنان. ومطلوب من المجتمع تحمّل تكلفتها، ومن الدولة احتواء تداعياتها الديموغرافيّة.

ولأنّ الشيء بالشيء يذكر، سبق أن تبلّغت بيروت تحذيرات أوروبيّة بغياب أيّ معطيات عن المدى الزمنيّ لهذه الحرب، أو المدى الذي ستبلغه على الأرض. ولإدراك الخطورة، مفيد التذكير بأنّه خلال كارثة حرب "إسناد" غزّة، نبّهت باريس بيروت من أنّ العدو الإسرائيليّ يعيد قراءة خطط شارون خلال غزو 1982، التي قيل إنّ هدفها الليطاني، ثمّ الأولي، فوصل الغزو إلى بيروت، لإخراج منظمة التحرير من لبنان!

خطير ما ينتظر البلد. فنظام الملالي بإحيائه مشروع "وحدة الساحات" انطلاقاً من لبنان، للدفاع عن نظامه، يقابل احتلال إسرائيل للأرض بتجديد استئثاره بقرار لبنان المنهوب والموجوع. فيما تتزايد إشارات استحداث جيش الاحتلال لـ"خطٍ أصفر" في عمق الجنوب مماثل لغزّة، يعتمد السيطرة على المرتفعات لفرض إشراف ناريّ يمكّنه من التحكّم بالأرض، ويمنع عودة، ستطول 600 ألف مهجر وفق تهديد وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس، أيّ أنّ الأمر لا يقتصر على جنوب الليطاني، وقد بات شبيهاً بخان يونس مع تدمير عمرانه، ليبرز الهدف الأبعد بفرض إعادة تشكيل الخريطة السكانيّة، بما تحمله من أخطار ديموغرافيّة!

تشي كلّ الوقائع بتعذّر الهروب إلى الأمام على النظام الإيرانيّ، بعد التطوّرات الهائلة في المنطقة، على خلفيّة نكبة "طوفان الأقصى" وكسر حزام الميليشيات. لقد بات المشروع الإمبراطوريّ الإيرانيّ على طريق السقوط، بدليل المخاوف التي ذهب إليها الوزير السابق محمّد جواد ظريف، في نصٍ حمل النُصح للقيادة الإيرانيّة بإنهاء الحرب، تفادياً لخسائر أكبر، ولأهمية استثمار فرصة إنهاء 4 عقود ونيف من العداء مع أميركا. إنّه طرح بات على الطاولة، وهو يقول عمليّاً بإنهاء المشروع النوويّ وحصر مدى البرنامج الصاروخيّ بالدفاع، والتوقف عن تقديم السلاح والمال والخبرات إلى أذرع "الحرس الثوري"، أيّ طي صفحة تصدير الثورة وإنهاء النفوذ الخارجيّ والانكفاء إلى الداخل، تلبية للشروط الأميركيّة، بعد استحالة العودة بالمنطقة إلى ما قبل كارثة "لطوفان".

وسط تطوّرات تتسارع، وتدمير مخيف لعمران لبنان، وتصحير جنوبه وتعريض مناطق واسعة منه لاقتلاع جماعيّ، يتأكّد انتفاء كلّ سمة لبنانيّة لـ"حزبالله"، وأساساً لم توجد.

لقد انصاع هذا التنظيم العسكريّ لقرار طهران، بأخذ البلد إلى الموت ثأراً للخامنئي. إنّه تنظيم لم يحمل يوماً أيّ مشروع لبنانيّ، ولم يضع بالاعتبار في أيّ وقت مصالح لبنان واللبنانيّين، ليتأكد أنّ قراره وقيادته هما لدى "الحرس الثوريّ". عقيدته من البداية ولتاريخه "إيران في لبنان" وفق توصيف إبراهيم أمين السيّد، أحد قادته. وكوكيل لنظام الملالي، هو شريك لإسرائيل في المسؤوليّة عن تحويل الجنوب وبلدات بقاعيّة والضاحية الجنوبيّة لبيروت، وكره الرئيسيّ، إلى ركام.

ولأنّ المنطقة دخلت الفصل الأخير ما بعد "الطوفان"، فالسلطة اللبنانيّة أمام تحدّي محاصرة الحال الانتحاريّة. وأمام مسؤوليّة القيام بإدارة الدولة، بالمضي بتنفيذ قرارات أغسطس (آب) 2025 ومارس (آذار) 2026، بنزع السلاح وحظر النشاط العسكريّ والأمني لـ"حزبالله" وإخراج المستشارين الإيرانيّين.

لا خيار آخر سوى مغادرة الاكتفاء بإدارة الانهيار، إلى إدارة البلد، مع ما يقتضيه ذلك من ردم الهوّة بين مرجعيّة القرار التي أناطها الدستور حصراً بمجلس الوزراء من جهة، ومن الجهة الأخرى دور قوى التنفيذ وآليّات ذلك. إنّ السلطة التنفيذيّة كجهة وحيدة تمتلك الشرعيّة، مطالبة بخطوات تثبت مرجعيّة الدولة، أبرزها جعل بيروت آمنة منزوعة السلاح، كمقدّمة لكلّ لبنان. إنّه المنحى الإلزاميّ لترميم الثقة التي تداعت، وحفظ دور البلد ومكانته واستقلاليّته، ليتخلّى المواطن عن التمسّك ببدائل كارثيّة من انكفاء طائفيّ، إلى التصاق بزعيم هو في النهاية من رموز نظام المحاصصة الزبائنيّ.!

(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3