لا أولويّة تفوق حقن دماء اللبنانيّين
Credits: info3

لا أولويّة تفوق حقن دماء اللبنانيّين

"لن نسمح بجرّ البلاد إلى مغامرات جديدة، وسنتّخذ كلّ الإجراءات اللاّزمة لتوقيف الفاعلين وحماية اللبنانيّين". إنّها عبارة رئيس الحكومة نوّاف سلام، فجر الاثنين، ردّاً على ارتكاب ميليشيا "حزبالله" جريمة الزجِّ بلبنان مجدّداً في حرب "إسناد" جديدة، هذه المرّة للنظام الإيرانيّ. وقد وصف سلام إطلاق الصواريخ بأنّه عمل "غير مسؤول ومشبوه، ويعرض أمن لبنان وسلامته للخطر، ويمنح إسرائيل الذرائع لمواصلة اعتداءاتها عليه».

هذا الموقف، وإن لم يسمِّ "حزبالله" بوصفه الجهة المرتكبة، يتطلّب ترجمة فعليّة، ذلك أنّه لا أولويّة تفوق حقن دماء اللبنانيّين، بإنهاء فوريّ لزمن بقاء لبنان مسرحاً لحرب إسرائيليّة - إيرانيّة، تفتك باللبنانيّين وتدمّر عمرانهم وتهدّد الكيان والوجود.

في تحدٍّ للسلطة واستخفاف بأرواح الناس، أطلق "حزبالله" 3 صواريخ ومسيّرة، من منطقة الصرفند (بين صيدا وصور) جنوب لبنان، ردّاً على مقتل المرشد الإيرانيّ علي خامنئي، ردّت عليها إسرائيل بنحو 30 غارة شملت بلدات في الجنوب والبقاع، ودكّ الضاحية الجنوبيّة لبيروت بنحو 15 غارة مع تركيزٍ على منطقة الجناح، أيّ تخوم بيروت الإداريّة، مستهدفاً مراكز وقيادات حزبيّة. وأتبعت إسرائيل غاراتها بإنذارات إخلاء جماعيّ لأهالي 53 بلدة في محافظتَيّ الجنوب والبقاع، وانفتح الجحيم الإسرائيليّ على لبنان.

في هذا التوقيت، لا بديل أمام السلطة التنفيذيّة، خصوصاً رئاستيّ الجمهوريّة والحكومة، عن اتخاذ إجراءات من خارج الصندوق، كأيّ دولة طبيعيّة، لدرء الخطر. فمشهد قوافل الهاربين من جحيم البلدات المستهدفة مؤلم، وكذلك مشهد الذين غادروا بيوتهم في الضاحية الجنوبيّة على عجل، باتجاه عشرات المدارس الرسميّة في بيروت التي فُتحت مراكزَ إيواء... كل ذلك نتيجة نهج الغدر الذي يتقنه "حزب" صنيعة "الحرس الثوريّ"، ويتلقى أوامره من طهران، غير عابئ بمصير لبنان وحياة اللبنانيّين جرّاء مغامراته الجنونيّة، فيقرّر من خلال "صواريخ الصرفند"، ضمّ كلّ جنوب نهر الأوّلي إلى جنوب الليطاني، أيّ ترك العدو الإسرائيليّ يوسّع احتلاله وحزامه الأمنيّ الخالي من البشر. لذا، فالمطلوب قرارات حقيقيّة تمنع سفك دماء اللبنانيّين، وتصون لبنان، وتحدُّ من أخطار التحديات الوجوديّة التي تحاصره... مطلوب قرارات استثنائيّة عاجلة تبدأ بحل هذه الميليشيا وتفكيك بنيتها، واستدعاء القضاء مسؤوليّ "حزبالله" من عسكريّين وأمنيّين وسياسيّين، وإصدار مذكرات توقيف بحقّ مجموعة المستشارين الإيرانيّين الذين يقودون هذه الميليشيا الخارجة على القانون.

هنا، ينبغي التذكير بأنّه بعد الضربات المميتة التي تلقاها "حزبالله" خلال كارثة حرب "إسناد" غزّة، حدث تدخّل مباشر من قادة "الحرس الثوريّ" فوُجدوا في مراكز "القيادة والسيطرة"، لترتيب الوضع الداخليّ لهذه الميليشيا العسكريّة التي تشكل جزءاً من "فيلق القدس" الإيرانيّ. ويومها أمر المرشدُ، علي خامنئي، القائدَ في "الحرس الثوريّ"، محمّد رضا فلاح زاده، بتولّي مسؤوليّة القيادة الموقتة لـ"حزبالله" (!!!). لذا، فقد آن أوان وضع المصالح الوطنيّة وصون حياة اللبنانيّين فوق أيّ اعتبار.

في دولة طبيعيّة، تقتضي المصلحةُ الوطنيّةُ إقالةَ وزيرَيّ "حزبالله"، إذ لم يعد جائزاً، من جهة، بقاء "حزبالله" في مركز القرار السياسيّ للبلد، وموافقته على بيان وزاريّ قال بمواجهة دفاعيّة سياسيّة وديبلوماسية، بعدما تسبّبت "المقاومة" - المقاولة في استدراج الاحتلال مجدّداً، ومن الجهة الأخرى، تفرّده بجر لبنان مرة أخرى إلى الكارثة. ولقد آن أوان بدء أوسع تحركٍ قضائيّ لتحميل القيادة اللبنانيّة لهذا "الحزب" كامل المسؤوليّة الماديّة عن جرِّ لبنان إلى حربين مدمّرتين خلال عقدين من الزمن. وفي لحظة الدفاع عن المصالح الوطنية وحقّ الناس في حياة آمنة ومستقرّة، لا بديل عن وضع قرار الشرعيّة في وجه القوى غير الشرعيّة الخارجة على القانون. ولا بديل عن تحديد مهل زمنيّة غير مفتوحة لحصر السلاح بيد القوى الشرعيّة على امتداد لبنان، علّ جملة تدابير من هذا النوع تُعيد وصل ما قطعه "حزبالله" من علاقات مع أشقاء لبنان وأصدقائه، لأنّ في هذه العلاقات بالذات قوّة للبنان لمواجهة عنجهيّة المحتلّ وأطماعه.

إنّ حقبة جديدة بدأت في المنطقة للتوّ، كانت بدايتها في 27 سبتمبر (أيلول) 2024 باغتيال حسن نصر الله، تلاها في 8 ديسمبر (كانون الأوّل) 2024 سقوط النظام السوريّ، وصولاً إلى 28 فبراير (شباط) 2026 بمقتل خامنئي، من دون أن ننسى المصير الذي آلت إليه "حماس" تنظيماً وقيادة... حقبة تشهد استقطابات حادّة، وانعطافات تاريخيّة ستبلور سياسات وصعود نخب جديدة، وإعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات... إنّها حقبة جديدة تقتضي المصلحةُ الوطنيّةُ قراءتَها بتمعن وتبصر بحثاً عن حيادٍ إيجابيّ يحدُّ من حجم الخسائر ووطأتها رأفة بالمواطنين ولصون التراب والوجود.

لا خيار آخر أمام السلطة، وكل المنظومة السياسيّة، إلاّ العمل الحقيقي الهادف إلى إنقاذ البلد وأهله والمقيمين على أرضه، ومحاذرة المُضيّ في تغطية المغامرات المدمِّرة والمغامرين، الذين ينفذون أجندة خارجيّة، وقد انتهت منذ زمن صلاحيتهم الوطنيّة. لا وقت لتضييعه، وكلّ تغييب للمبادرات الجريئة تهديد للمصير والوجود.


(صحيفة الشرق الأوسط)


* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3