لبنان... المطلوب إصلاح جذريّ قبل الانتخابات
"الفساد مشرّع بالقانون"... العبارة للرئيس الأسبق للحكومة فؤاد السنيورة، وردت في فذلكة موازنة عامّة، ويضرب بها المثل عن عقود من الممارسة السياسيّة بعد هيمنة ميليشيات الحرب والمال على السلطة مطلع تسعينات القرن الماضي.
مع تفاقم الانهيار الماليّ عام 2019، والمستمرّ من دون كوابح، كشف رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي أنّه مع بدء العجز في ميزان المدفوعات عام 2011 بدأت مرحلة مدّ اليدّ على الودائع. فقد تضمّنت الموازنات بين الأعوام 2011 و2018 عجوزات زادت عن 30 في المائة سنويّاً، كان البرلمان يقوننها، فيتمّ تمويلها من جنى أعمار الناس. مليارات الدولارات التي حملت اسم "الهندسات الماليّة"، وهي إحدى بدع رياض سلامة، موّلت مصارف مفلسة، ومملوكة من كارتل مافيويّ مصرفيّ سياسيّ، لم "تستحقّ" أيّ نقاش أو مساءلة من جانب البرلمان.
أظهرت خطّة "لازارد" للإنقاذ الماليّ إمكانيّة سداد الودائع حتى 500 ألف دولار، ورسمت ملامح جديّة للتعافي، انطلاقاً من الموجودات الماليّة التي كانت تفوق 30 مليار دولار، فأسقطها البرلمان، الذي امتنع طيلة 6 سنوات ونيّف عن تشريع "كابيتال كونترول" يحمي الودائع، ممّا ترك الحبل على غاربه أمام "محظوظين" لتهريب عشرات مليارات الدولارات إلى "ملاذات آمنة".
كشف "التدقيق الجنائيّ" في وضعيّة مصرف لبنان، الذي أنجزته مؤسّسة "ألفاريز آند مارسال"، حجم "المنهبة" فتمّ تعطيل العمل به، رغم الاشتباه الواسع بقضايا تبييض أموال، وفساد، ونهب مفضوح. أُرسِل "التدقيق" إلى أرشيف جهات قضائيّة، لتضمنه تهديداً لمنظومة واسعة من السياسيّين والمصرفيّين... وتمّ تجميد الوعد باستكماله. وفيما يتواصل مخطّط تذويب الودائع، تخلّى البرلمان عن أبرز أدواره: وضع السياسة العامّة للدولة، وأهمّها السياسة الماليّة وإخضاع السلطة لرقابته.
ارتبط الفساد ما بعد الحرب الأهليّة في جزء أساسيّ منه بالاستتباع الذي حكم البرلمانات منذ 36 سنة، فأصبحت الدولة تابعة لـ"أحزاب" طائفيّة، وميليشيات حوّلت الوزارات والمؤسّسات إلى محميّات فساد، مع وزراء أقنعة لزعماء الطوائف تتغيّر الأقنعة، لكن الممارسات ثابتة لا تتغيّر. إنّه زمن الهيمنة السوريّة، ثمّ الهيمنة الإيرانيّة من خلال "حزبالله"، بعد نحر "انتفاضة الاستقلال" عام 2005، لينطلق أخطر تخادم بين منظومة مافيويّة تساكنت مع السلاح اللاشرعيّ الذي حمى فسادها.
في إطلالته الأولى قبل عام من الآن، وصف رئيس الحكومة نوّاف سلام قوانين الانتخاب ما بعد الطائف بأنّها متصادمة مع الدستور. وفي إطلالته المتلفزة الأخيرة، وصف قانون الانتخاب الراهن بأنّه الأسوأ، في إقرار بأنّ المجالس النيابيّة لم تضمن عدالة في التمثيل، ممّا يعني أنّ الشرعيّة القانونيّة ليست شرعيّة شعبيّة حقيقيّة. واليوم، وعلى مسافة أشهر قليلة من الانتخابات في النصف الأوّل من مايو (أيار) المقبل، يتكثّف القلق، وتزداد المخاوف بشأنها، بعدما تعامت القوى السياسيّة عموماً، ونوّاب التغيير خصوصاً، عن مسؤوليّة تقديم مشروع قانون بديل، يقدّم إصلاح التمثيل الشعبيّ على ما عداه، كون البرلمان هو البداية لولوج مسار إصلاح راسخ، ليقتصر النقاش على إمكانيّة التأجيل التقنيّ لشهرين، أو سنة، لتعذّر تنفيذ الانتخابات في الدائرة الـ16 المتعلّقة بالمغتربين، لكن الجديد تمثّل في إعلان رئيس البرلمان نبيه برّي أنّ الانتخابات ستتمّ وفق القانون النافذ، مع رفضه إحالة التعديلات الإصلاحيّة الجزئيّة على القانون الساري المقدّمة من الحكومة على الهيئة العامّة. ووافقه على ذلك "حزبالله"، ليأتي بعد ذلك تأكيد رئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" سمير جعجع أنّ الانتخابات ستتمّ في الموعد المحدّد، مع تراجع عن دورتي 2018 و2022، إذ سيُحرم المغتربون من حقهم بالاقتراع لـ128 نائباً، حيث هم!
ليست الانتخابات مجرّد واجب دستوريّ وحسب، بل هي، خصوصاً، غداة زلزال جريمة حرب "الإسناد"، وقبلها كارثة الانهيار الماليّ المستمرّ، وانعدام العدالة، ضرورة لأن تكون فرصة لاستعادة الدولة من مغتصبيها بالسلاح مرّة، وبالطائفيّة دوماً، ويتعذّر تأمين ذلك مع غياب شروط المساواة، والنزاهة؟ ولا تُستعاد الدولة مع قانون أتى نتيجة مساومات بين كتل طائفيّة، راعى تحكمها ببدعة الصوت التفضيليّ المذهبيّ وسط دوائر متفاوتة ليعيد إنتاج المنظومة إيّاها! فإن تمّت الانتخابات وفق القانون الحاليّ، فستستمرّ التركيبة الراهنة للبرلمان، وقد تتيح الانتخابات لقوى السلاح والفساد أن تكتسب شرعيّة كاذبة، والأخطر تجديد زمن منتجات مرحلة احتلال البلد، والهيمنة عليه. ستكون شرعيّة مبنيّة على تزوير فظ لإرادة الناخبين، من خلال الترهيب، والترغيب، والرشوة، وحتى استخدام السلاح. وإذ ذاك سيكون لبنان أمام تكرار استنساخ برلمان شبيه بما سبقه من برلمانات تساكنت مع السلاح، وأفقرت اللبنانيين، وغطّت على استتباع البلد!
إنّ إجراء انتخابات عامّة، قبل بدء إصلاح حقيقيّ يقوم على المساءلة، والمحاسبة، وقبل الانتهاء من جمع السلاح، وتفكيك البنى العسكريّة، والتي تتلطّى بتسميات كشفيّة، فإنّ هذا سيكون وسيلة لإعادة هيمنة السلاح، وكلّ قوى الأمر الواقع الطائفيّ، على المسار السياسيّ والدستوريّ، وأبعد منه على الكيان اللبنانيّ.
(صحيفة الشرق الأوسط)