حصريّة السّلاح ليست خياراً
اليوم 13 يناير (كانون الثاني) يكون قد مضى على "اتفاق وقف الأعمال العدائيّة" 413 يوماً، و161 يوماً على القرار التاريخيّ للحكومة اللبنانيّة "حصر السلاح بيد القوى الشرعيّة"، وهو القرار التاريخيّ ببسط سيادة الدولة كاملة ومن دون شريك، الذي لم تُقدِم عليه أيّ حكومة منذ 56 سنة، يوم استسلم البرلمان لـ"اتفاق القاهرة" متخلّياً عن السيادة الوطنيّة.
لا مجال لاستعراض كلّ مآسي الماضي وويلاته: حروب أهليّة، واحتلالات إسرائيليّة، وإخضاع البلد لهيمنة النظام السوريّ البائد، ثمّ الهيمنة الإيرانيّة من خلال "حزبالله"... عقود بائسة تلاشت فيها جمهوريّة المؤسّسات، وتصدّعت الدولة، وغابت العدالة في زمن الإفلات من العقاب، وتسلّط أخطر تحالف مافيوي سياسيّ مصرفي ميليشيويّ نهب البلد وأفقر اللبنانيّين وأذلّهم... وحتى تاريخه ما مِن متّهم. كما أنّ العدالة ما زالت معلّقة، رغم مرور أكثر من 5 سنوات على التفجير الهيولي للمرفأ الذي رمّد قلب بيروت.
أثقال الماضي وويلاته جعلت الأكثريّة الساحقة تلتفّ حول قرارات 5 و7 أغسطس (آب) الماضي من "الحكومة السلاميّة"، لأنّه ترسّخ في الأذهان، وعن حقّ، أنّه من دون "حصر السلاح بيد الدولة" و"بسط السيادة"، فسيبقى لبنان عصيّاً على التغيير والإصلاح، وأرضاً مستباحة لإسرائيل، وللطامحين إلى استتباعه، ورصيفَ هجرةٍ لشبابه ونخبه. وتحوّل التأييد غير المسبوق لأيّ حكومة إلى احتضان لخطوات تنفيذ البيان الوزاريّ وإخراج البلد من زمن السلاح اللاشرعيّ، الذي فقد كلّ صفة مقاومة بعد التحرير عام 2000، ليأخذ البلد إلى حربَين مدمّرتين، حرب يوليو (تمّوز) 2006، وحرب "الإسناد" لغزّة التي انتهت بعودة الاحتلال. وبين التحرير و"الإسناد"، كان هذا السلاح أداة اغتيالات مبرمجة هدفت إلى "تَصحِير" البلد من قدرات نوعيّة، كما كان وصمة عارٍ باحتلال بيروت الأبيّة التي لفظت الاحتلال الإسرائيليّ عام 1982!
لذلك، أحدث القرار الأخير من مجلس الوزراء، تمديد خطوات حصريّة السلاح، شيئاً من القلق. فإعلان رئيس الحكومة أنّ "حصريّة السلاح ليست خياراً، بل التزام"، يعني أنّ لبنان لا يملك ترف الوقت، ممّا يفترض التقدّم في عمليّات نزعه بالانتقال إلى المرحلة الثانية التي تشمل ما بين نهرَيْ الليطاني والأولي شمال صيدا، ليصبح كلّ الجنوب ضمن دائرة عمليّات الجيش لإخلائه من السلاح والبنى العسكريّة اللاشرعيّة، فيُنزع كثيرٌ من ذرائع إسرائيل في استباحتها لبنان. وهذا الأمر كان قد تحدّث عنه الرئيس نوّاف سلام قبل أسابيع، استناداً إلى التقدّم المحقّق جنوب الليطاني، إلاّ المنطقة الخاضعة للاحتلال، حيث يستحدث العدوّ الإسرائيليّ مناطق عازلة على تخوم دمار بلدات الحافة الأماميّة.
القلق الواسع متأتٍ من أنّ إسرائيل مرتاحة على وضعها، فمعروف أنّ ما يسعى إليه نتنياهو هو إطالة أمد حربه على لبنان بإبقاء الواقع الميداني على وتيرته من الغارات اليوميّة التي قد تتكثّف حجماً وَحِدّةً وتتسع جغرافيّاً، لأنّه من خلال هذا النهج يحقّق هدفين: الأوّل عرقلة الملاحقة القضائيّة له بتهم الفساد، والثاني: وهو الأهم، استثماره بالدم اللبنانيّ في حملته الانتخابيّة، ففي مناطق الشمال الإسرائيليّ كتلة ناخبة كبرى داعمة لحزب "الليكود" والأحزاب الدينيّة، ويريد نتنياهو تقديم نفسه إلى هؤلاء الناخبين على أنّه رجل الأمن، فيضمن نتائج صناديق الاقتراع.
في المقابل، فإنَّ لبنان يُفترَض أنّه في سباقٍ مع الوقت، أمام حصيلة سلبيّة نسبيّاً، بعد مرور عام على عهد أتى على أجندة التطبيق الكامل لقرار وقف النار الجائر، وقد بات ملزماً للبلد منذ بصمت عليه حكومة "حزبالله" التي كان يترأسها نجيب ميقاتي.
سريعاً، يمكن الإشارة إلى سلبيّة عدم تحديد موعد لزيارة رئيس الجمهوريّة إلى أميركا، وهي الخصم والحكم، من دون أن نغفل أن زيارة نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعيّة العامة لم تقدّم الثمار الموعودة. ويمكن التوقف كذلك عند إجراءات عطلت زيارة قائد الجيش إلى واشنطن، واستطراداً المواعيد المعلقة لـ"مؤتمر دعم الجيش"، الذي قد لا ينعقد في فبراير (شباط) المقبل، ربطاً بالقرارات الحكوميّة الأخيرة... وتوازياً، لا يمكن الحديث عن نجاحٍ في الحملة الديبلوماسيّة التي تعهّدتها الحكومة نهجاً لتحرير الأرض.
المفترض أنّ الموقف الوطني مدعوّ إلى أن يأخذ في الحسبان الحاجة إلى مساعدات واستثمارات، لتكون ممكنةً إعادةُ إعمار ما هدّمته الحرب، ووضع لبنان على سكّة التعافي، لكن مع نهج يجسّده، من جهة مشروع قانون "الفجوة" الماليّة وما يحمله من تعديل خطير لقانون العقوبات بقفزه فوق جرائم السرقة والاحتيال وإساءة استخدام الأمانة وإباحة تبييض الأموال والإثراء غير المشروع... ومن الجهة الأخرى، التراخي حيال تصعيد ميليشيا "حزبالله" الذي بلغ حدّ التخوين والتمسّك بالدويلة وسلاحها وبسرديّات سقطت في لبنان والمنطقة، وتالياً تأخير المرحلة الثانية من خطّة حصر السلاح، وهو في المقام الأوّل مسألة سياديّة داخليّة، قبل أن يكون له أيّ ارتباط بمسألة الحدود والنزاع مع إسرائيل... فإنَّ الإبطاء في نزع السلاح أمر مقلق للداخل، أمَّا للخارج فهو أشبه برسالة بأنَّ ما يجري نموذج لدولة غير مكتملة السيادة فلماذا ينبغي للخارج أن يتعاون مع لبنان ويدعمه؟
(صحيفة الشرق الأوسط)